
عبدالله محمد ادم
في غرفةٍ يخنقها غبار اليأس، يجلس شابٌ وُلد في ظلّ انقلابٍ دمويّ، وتفتّح وعيه على خرابٍ مزمن، حرب في الجنوب و الشرق و الغرب، ظل الشاب يحدّق في الفراغ، ثم يرمقني بتحدٍّ مُثقل، عندما حاولت ان اتلكم له عن مستقبل مشرق،فبادرني بالقول: المستقبل؟ أين هو، وما شكله، ومن أي سوق يمكن أن نشتريه؟. كلماته كانت كسكاكين باردة، تشقّ محاولاتي الهزيلة لطمأنته بأن المستفبل أفضل. فكيف أُجيب؟ كيف أُقنع من يراقب، كل يوم، جثث الأحلام تتعفن تحت شمس السودان الحارقة؟
لقد كفَرَ هذا الشاب بالمستقبل، لا عن جهل، بل عن بصيرةٍ قاسية ، لانه رأى بعينيه كيف يُطحن الجادّون الطامحون بين حجري رحى لا ترحم: فسادٌ يتسلق جسد الوطن كطاعون، يلتهم الموارد ويُبقي الناس في ظلمة العوز و قبليةٌ خبيثة، انه مرضٌ مميتٌ نُقل بواسطة ناقلٍ خطير اسمه التدين الكاذب،تدين يرفع الأقلّ كفاءةً ويطمس الأكثر استحقاقاً لمجرّد انتماءٍ دمّيٍ أو ولاءٍ أعمى لتنظيم ينسب اسمه للاسلام و لم نري منه غير عمل الشيطان ،و في هذا السوق المُقلوب، لا قيمة لشهاداتٍ تلمع، ولا لجدٍّ يُبذل تحت شمسٍ لا ترحم، ولا لموهبةٍ تحاول اختراق جدار المحسوبية السميك ، و الأقسى أن أسرته، تلك التي غرست فيه الصدق والنبل، لم تورّثه الكذب المطلوب للترقّي في زمن النفاق، ولا تملك له انتماءً قبلياً يُفتح به الأبواب الموصدة.
لقد جعلوه نقياً في بحرٍ من الوحل، فصار نقاؤه لعنة.
فكيف يعرف طعم المستقبل، وهو لا يرى في ماضيه أو حاضره إلا رجالاً يتصارعون على كرسي السلطة حتى مجيء عيسى عليه السلام، بينما يغرق الوطن في دماء أبنائه، و تهدر ثورةٌ ،شهِد لها العالم في ،دهاليز المكر و الانقلابات بواسطة جيش لا تعرف قيادته الا الولاء للتنظيم و السجود للمال
نظرة هذا الشاب إليّ كانت سؤالاً أكبر من قدرتي، فكيف تبيع الوهم لمن رأى الحقيقة عارية؟ كيف تتحدث عن غدٍ مشرقٍ لمن يعيش في نفقٍ لا نهاية له، حيث الضوء الوحيد هو وهج القنابل والحرائق؟ مستقبله ليس مجهولاً… إنه غائبٌ. *غائبٌ* كالمياه النظيفة في غرب كردفان، *غائبٌ كالعدالة في كل السودان، غائبٌ* ككرامة الإنسان في وطنٍ صار سوقاً للمزايدات السياسية والانتماءات العفنة.
و يبقى سؤاله معلّقاً في الهواء الثقيل، مثل غبارٍ بعد برميل متفجر رمته ( طيارة) في بيت ( جالوص) في حلتنا ابوقلب الاسبوع الماضي ،فمن أي سوق نشتري المستقبل؟. وأنا، بلا إجابةٍ تُشفي غليله، أرى في صمته مرثيةً لوطنٍ وُلد فيه شبابٌ بكل مؤهلات النجاح، فلم يجد أمامه سوى حائطٍ من الفساد والكذب والقبلية… فكفَرَ بما لم يره، لأن كل ما رآه أثبت أن المستقبل هنا، مجرد سرابٍ في صحراء لا تُرحب إلا بالجِمال النافقة،
و الذي يخيفني اكثر ان انقل لكم خبرا محزنا ان هذا الشاب رفض ان يوعدني بصدق ان لا يفكر في الانتحار حينما حاولت اقناعه بان الانتحار جريمة و تدمير لمستقبل شاب ذكي مثله ،
ساعدوننا بوقف الحرب حتي لا نفقد كل الشباب، وفقكم الله




