رأي

الحديث عن حصار الفاشر: العوار والاستهتار؛ كيف ينظرون للأزمة السودانية

عباس احمد السخي

تتنافس الأصوات الدولية هذه الأيام في العويل عن حصار الفاشر، وكأن المدينة صارت فجأة مركز الكون، بينما يتجاهلون عمدًا أن أصل الأزمة يكمن في حرب عبثية فجّرها الإخوان المسلمون ورعاتهم الإقليميون، وأن الحصار ليس سوى انعكاس مباشر لهذه الحرب. ففي وثيقة المانحين الأوروبيين الصادرة بالأمس، جرى ترديد الأسطوانة المعتادة حول “ضرورة إدخال الغذاء والدواء”، وهو نفس الخطاب الذي تبناه مسعد بولس حين طالب بفتح الممرات الإنسانية. لكن ما لم يقله هؤلاء أن أي “مساعدات” تدخل الآن لن تذهب إلى أفواه المدنيين كما يزعمون، بل ستتسرب إلى بنادق المقاتلين المختبئين في المدينة، ليطيلوا أمد الحرب ويضاعفوا مأساة السودان.

حصار الفاشر ليس عشوائيًا
من السذاجة بمكان أن يتم تصوير الحصار وكأنه عقاب عشوائي على المدنيين. الحقيقة الصلبة أن الفاشر تحولت منذ عامين إلى جبهة عسكرية ملتهبة. قوات الدعم السريع طلبت من المواطنين الابتعاد عن مناطق القتال، واستجاب نحو 800 ألف منهم، فخرجوا إلى مناطق آمنة حيث الغذاء والدواء. هؤلاء نجوا بسلام لأنهم أدركوا أن الحرب لا ترحم. أما من آثروا البقاء في قلب المعركة، فهم إمّا مقاتلون بالفعل، أو تحولوا إلى دروع بشرية بوعي أو دون وعي. فكيف يمكن إذن اعتبار كل من بقي هناك “ضحية بريئة” بينما يصرّ على البقاء في خط النار؟

الإخوان هم أصل الداء
المجتمع الدولي يتعامى عن الفاعل الحقيقي في هذه المأساة: جماعة الإخوان المسلمين. هؤلاء الذين يقودون الحرب من وراء ستار، ويشعلون النيران في السودان ليحتموا خلف معاناة المدنيين. الضغط يجب أن يكون عليهم، فهم من يرفض وقف إطلاق النار، وهم من يستغلون كل نداء إنساني لتبييض جرائمهم. أما أن تُمارَس الضغوط فقط على قوات الدعم السريع لفك الحصار، فذلك ليس إنصافًا ولا حيادًا، بل انحياز سافر إلى معسكر الإخوان وحلفائهم من الحركات المسلحة ذات الطابع العرقي.

الإنقاذ الإنساني أم الإنقاذ العسكري؟
الحقيقة التي يتغافل عنها دعاة الإنسانية المزعومة أن أي محاولة لإدخال المساعدات الآن ليست أكثر من محاولة مستترة لإنقاذ المقاتلين المحاصرين في الفاشر. تلك القوات التي فقدت زمام المبادرة، وتنتظر أي فرصة لإعادة تسليح نفسها. فهل يُعقل أن يُطلب من الدعم السريع أن يسمح بإطعام خصومه العسكريين واعادة تسليحهم بحجة ادخال الطعام حتى يعودوا لقتاله؟! ان رفض الدعم السريع هنا ليس تعسفًا، بل هو حق مشروع ودفاع طبيعي عن نفسه في معركة فرضت عليه.

أين كان المجتمع الدولي؟
من السخرية أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يذرفون الدموع على الفاشر اليوم، بينما السودان كله ينزف منذ عامين. أين كانت ضغوطهم حين كان السلام ممكنًا؟ أين كانوا حين كانت جماعة الإخوان تبعثر دم السودانيين وتدفعهم إلى الهاوية؟ أليس الأجدر بهم أن يضغطوا لوقف شامل لإطلاق النار في كل البلاد بدلًا من التباكي على مدينة بعينها؟ أم أن الفاشر وحدها تستحق الغذاء والدواء، بينما بقية السودان محكوم عليه بالمجاعة؟ هذا التسييس الفاضح للمعاناة يفضح نواياهم الحقيقية.

خاتمة: كفاكم استهتارًا
الحديث عن حصار الفاشر دون الحديث عن الإخوان المسلمين هو عوار فكري واستهتار بالشعب السوداني. كما ان الحصار ليس لعبة، ولا يمكن كسره بتصريحات جوفاء ولا بمؤتمرات مانحين. إذا أراد العالم سلامًا حقيقيًا، فليضع أصبعه على الجرح: ليجبر الإخوان المسلمين الذين يقودون هذه الحرب فعليا على وقف إطلاق النار، وليفتح الباب أمام سلام شامل. أما أن يواصلوا خداع أنفسهم والناس بالحديث عن “ممرات إنسانية”، فذلك ليس سوى خطة رخيصة لإطالة الحرب وإبقاء السودان رهينة الجوع والدمار.
الفاشر ليست الاستثناء؛ هي مجرد عنوان لجرح أكبر اسمه السودان، ومن أراد الحل، فليبحث عن الداء لا عن الأعراض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!