
عباس أحمد السخي
تمثل انتصارات الفاشر نقطة تحول فارقة في مجريات الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023، إذ لم تكن مجرد حدث ميداني عابر، بل لحظة فاصلة في مسار الصراع، إذ تجاوزت دلالاتها حدود الجغرافيا والمعركة إلى عمق المشهد السياسي والعسكري السوداني. فبعد هذه الانتصارات، لم يعد المشهد كما كان قبلها، لا من حيث موازين القوى ولا من حيث طبيعة التحالفات، ولا حتى في بنية التفكير الاستراتيجي الذي يحكم أطراف الصراع.
لقد شكلت معركة الفاشر اختبارًا حقيقيًا لإرادة الصمود، وأثبتت أن ميزان القوة يمكن أن يعاد تشكيله متى ما توفر الإيمان بالقضية والإرادة الميدانية المنظمة. فالفاشر، التي تمنعت طويلًا رغم بسالة الاشاوس، بيد انها استقبلتهم أحضانها فاردةً زراعيها في حلالٍ مهيب وهي أكثر وعيًا بمكانتها وأهميتها، ليس فقط كعاصمة لدارفور، بل كرمز لوحدة الإرادة الوطنية التي لم تستسلم أمام آلة الإسلاميين العسكرية المتجبرة. ومع لحظة الانتصار في السادس والعشرين من أكتوبر، تبدّت الفاشر كإشارة بداية لمرحلة جديدة لا تشبه ما قبلها، مرحلة عنوانها الحسم وإعادة التوازن الوطني.
لقد جردت انتصارات الفاشر جيش الإخوان المسلمين من أهم ركائزه الميدانية بعد سقوط ظهيره الأيمن والمتمثل في الحركات المسلحة التي ظلت تقدم له السند القتالي والسياسي. الهزيمة التي لحقت بهذه الحركات في معركة الفاشر النوعية في ٢٧ اكتوبر لم تكن فقط خسارة عسكرية فادحة، بل كانت صدمة نفسية عنيفة أحدثت شرخًا عميقًا داخل صفوف من تبقى من هذه الحركات في اجزاء اخرى من السودان، إذ تبيّن لأتباعها أن تحالفهم مع جيش الإخوان لم يكن سوى استثمار عابر من قبل قيادة لا تعبأ إلا بمصالحها التنظيمية. هذا الشعور بالخذلان تمدد إلى الحواضن الاجتماعية لهذه الحركات، التي بدأت تدرك عبثية المشروع الذي تم تورطها فيه تحت شعارات مضللة.
وما بين هزيمة الحركات في دارفور واهتزاز ثقتها بنفسها، انعكست حالة من الإحباط على المجموعات المسلحة ذات الطابع العرقي في وسط السودان، والتي باتت تعيش مأزقًا وجوديًا بعد أن فقدت البوصلة، وتبددت لديها أوهام القوة والاستقواء بالمركز. لقد انكشفت أمامها حقيقة أن المشروع الإخواني لم يكن سوى غطاء لتكريس السيطرة وإعادة إنتاج الإقصاء، وأن الحركات التي ظنت نفسها شريكة أصبحت الآن في خانة الخسارة والخذلان.
بهذه الانتصارات، تمهد الطريق عمليًا نحو إسقاط ما تبقى من الحاميات التي يتحصن فيها جيش الإخوان في بابنوسة والأبيض وكوستي. تلك المدن، التي كانت حتى وقت قريب تمثل نقاط ارتكاز وامداد استراتيجية في غرب ووسط البلاد، باتت اليوم في مرمى التغيير، بعد أن انكسرت شوكة المليشيات المساندة، وتراجعت الروح المعنوية لقوات الإسلاميين. فالفاشر لم تكن مجرد معركة لتحرير مدينة، بل كانت عملية لكسر منظومة كاملة من السيطرة والهيمنة، وإعادة تعريف طبيعة القوة في السودان.
المرحلة التي دشنتها هذه الانتصارات تمثل بداية عملية تفكيك قبضة الإسلاميين على مفاصل الدولة، لاسيما داخل المؤسسات الأمنية التي ظلت لعقود تحت سيطرتهم الكاملة. إن ما حدث في الفاشر ليس انتصارًا ميدانيًا فحسب، بل ضربة عميقة في بنية التمكين التي قامت عليها دولة الإسلاميين. فالمؤسسات الأمنية التي كانت تُدار بعقلية الولاء التنظيمي تواجه اليوم لحظة الحقيقة، إذ لم تعد قادرة على حماية مشروع فقد شرعيته وفقد كذلك مقومات استمراره. ومع كل تقدم ميداني يتحقق، تتساقط طبقات النفوذ التي بنتها الحركة الإسلامية طوال ثلاثة عقود من الاحتكار والاختراق.
ومن الطبيعي أن تفتح هذه الانتصارات شهية الأشاوس نحو المزيد من التقدم، إذ شكّل تأخير الحسم في معركة الفاشر عامل إعاقة مؤقت لتحركات القوات نحو أهداف جديدة. اليوم، ومع استقرار الميدان وتراكم الخبرة القتالية، تتجه الأنظار إلى ساحات أخرى في غرب ووسط البلاد حيث تنتظر معاقل الإسلاميين مصيرها المحتوم. لقد ولّد النصر في الفاشر ثقة عميقة بقدرة القوات على فرض معادلة جديدة، قوامها المبادرة والسيطرة الميدانية، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل أو الدفاع.
إن انتصارات الفاشر ليست نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة تعيد صياغة المستقبل الوطني على أسس جديدة. ففي اللحظة التي تتهاوى فيها مرتكزات الإسلاميين، يُفتح أفق جديد لبناء دولة تستعيد مؤسساتها من قبضة التنظيم، وتعيد تعريف الجيش كقوة وطنية لا أيديولوجية. المستقبل الذي يلوح من الفاشر ليس فقط مستقبل التحرير، بل مستقبل التأسيس لمرحلة السودان الجديد، السودان الذي يتجاوز صراعات الهوية والانتماء، ليعيد بناء نفسه على قاعدة العدالة والمواطنة والسلام.
إنها انعطافة كبرى عن الماضي بكل تناقضاته، وبداية مسار نحو وطن يستحقه أبناؤه، وطن لا تدار فيه المعارك من أجل سلطة أو تنظيم، بل من أجل استعادة الدولة نفسها، الدولة التي وُلدت من رماد الفاشر، وها هي اليوم تتطلع إلى مستقبل مختلف تمامًا، مستقبل عنوانه الانتصار الوطني لا الغلبة الفئوية، والمستقبل الذي تصنعه الفاشر لا يمكن أن يشبه ما قبلها أبدًا.



