
سمية النور دهب
رغم اتساع رقعة الحرب الكارثية التي أنهكت السودان ومزّقت نسيجه الاجتماعي، لا يزال في الساحة الوطنية عدد وافر من الكتل السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني التي تؤمن بضرورة إنهاء القتال واستعادة مسار ثورة ديسمبر والتحول المدني الديمقراطي. كما تتكاثر المبادرات داخل البلاد وخارجها، حاملةً ذات الشعارات الكبرى: وقف الحرب، إغاثة المتضررين، إعادة الإعمار، بناء جيش وطني مهني بعقيدة دفاعية، وتأسيس حكم انتقالي مدني يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي، مع عدم الإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم.
هذا التوافق الواسع حول الأهداف الجوهرية يكشف أن الأزمة ليست في الرؤية، بل في الإرادة الجماعية وآليات التنسيق. فمن المفارقة أن القوى التي تلتقي عند خطوط عريضة تكاد تكون متطابقة، تعجز عن بناء منصة موحدة تُحوّل هذا التلاقي النظري إلى فعل سياسي منظم ومؤثر. إن حالة التشظي التي تطبع نشاط الفصائل المدنية الديمقراطية اليوم لا يمكن تبريرها بتباينات تكتيكية أو اختلافات جزئية؛ فهي أعمق من ذلك، وتمسّ جوهر الثقة المتبادلة والسردية المشتركة حول الماضي القريب.
ولكي يكون الحديث صريحاً ومسؤولاً، لا بد من الاعتراف بأن جميع مكونات ما يُعرف بالقوى المدنية الديمقراطية – بمختلف مسمياتها، من صمود إلى قوى التغيير الجذري، ومن النقابات إلى منظمات المجتمع المدني، ومن كانوا تحت مظلة قوى الحرية والتغيير قبل تفتتها – تتحمل قسطاً من المسؤولية عن “الخطأ التاريخي” الذي أعقب سقوط النظام البائد. فقد تم إشراك اللجنة الأمنية للنظام السابق في هياكل السلطة الانتقالية، السيادية والتنفيذية، دون ضمانات كافية تُحجّم نفوذها أو تُخضعها لإرادة مدنية خالصة.
ذلك القرار، وإن اتُّخذ في سياق موازين قوى معقدة وضغوط داخلية وخارجية، أرسى معادلة مختلة بين المدني والعسكري، وفتح الباب أمام تناقضات بنيوية لم تُحسم في حينها. ومع تراكم الأزمات، تحولت تلك التناقضات إلى صراعات مكشوفة، أفضت في نهاية المطاف إلى انهيار التجربة الانتقالية وانزلاق البلاد إلى أتون حرب مدمرة.
إن تجاوز المأزق الراهن يقتضي شجاعة الاعتراف الجماعي بالمسؤولية، لا لتصفية الحسابات، بل لاستخلاص الدروس وبناء تعاقد جديد أكثر صلابة ووضوحاً. فالوحدة المطلوبة اليوم ليست تحالفاً شكلياً، بل رؤية مشتركة تُحدّد بوضوح علاقة المدني بالعسكري، وأسس العدالة الانتقالية، ومعايير الكفاءة والمساءلة. عندها فقط يمكن أن يتحول التوافق النظري إلى كتلة تاريخية قادرة على انتشال السودان من أزمته، ووضعه على سكة تحول مدني ديمقراطي مستدام.




