رأي

البرهان يغيّر الكراسي… لكن الطاولة نفسها منذ ١٩٥٦…. دخلت نملة وشالت حبة

عمار نجم الدين

البرهان حين يعلن إحالة ضباط الجيش بدعوى انتمائهم إلى الحركة الإسلامية لا يقدم على خطوة جديدة ولا يفتح أفقاً آخر، إنما يعيد إنتاج لعبة مألوفة منذ لحظة الاستقلال في 1956، لعبة التحالف القبلي المركزي الذي ظل ثابتاً في جوهره ومتحركاً في وجوهه. هذا التحالف هو البنية العميقة التي حكمت السودان، حيث تلتقي مجموعات إثنية محدودة من الشمال والوسط النيلي في شبكة مصالح متداخلة، وتوظف الجيش والإدارة والأجهزة البيروقراطية كأدوات للهيمنة والسيطرة. من خلال هذا التحالف القبلي تضمن النخبة المركزية احتكار الدولة، بينما تبقى الأطراف رهينة للتهميش والإقصاء.
الأيديولوجيا في هذا السياق ليست سوى قشرة، أو أداة حدادة كما نقول، لتزييت آلة المركز وإعادة تلميعها كلما تهالكت. في زمن نميري صيغت القشرة في هيئة شعارات اشتراكية وناصرية وقومية عربية. ومع البشير وحركته الإسلامية ارتدت نفس البنية ثوباً دينياً يحاول إضفاء المشروعية على سلطة المركز. وحتى الصادق المهدي في دوراته القصيرة للحكم لم يخرج عن هذا النسق، بل مارس ذات الاستراتيجية بواجهة ديمقراطية شكلية. إننا أمام سردية واحدة بوجوه متغيرة، حيث الأيديولوجيا تتبدل بينما التحالف القبلي المركزي يظل ثابتاً.
التغييرات التي أعلنها البرهان خلال الأسبوع الماضي ليست سوى تبديل فرقي داخلي. الضابط الإسلامي الذي يخرج من المشهد، والضابط غير الإسلامي الذي يحل محله، كلاهما ينتمي إلى المنظومة نفسها. كلاهما شارك في حملات القمع والحروب ضد دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والجنوب. لا فرق جوهرياً بينهما لأن معيار البقاء في المنصب ليس الانتماء الفكري بل مدى خدمة المشروع المركزي. ولهذا فإن هذه الخطوات لم تجد صدى إلا داخل دوائر المركز نفسها، حيث يجري ترتيب البيت الداخلي وتوزيع المقاعد، لا أكثر ولا أقل.
هذا المشهد ليس استثناءً بل قاعدة متكررة. النميري مارسها مراراً حين أطاح بضباط وأحضر آخرين دون أن يتغير جوهر السلطة. البشير مارسها طيلة ثلاثة عقود تحت راية الإسلام السياسي. الصادق المهدي بدّل الضباط أكثر من مرة وهو يتحدث عن الديمقراطية. واليوم البرهان يعيد السيناريو نفسه، بالممثلين أنفسهم تقريباً، والديكور ذاته، بينما يصفق السذج في الخارج وهم يظنون أن تغيير الوجوه يعني تغيير البنية. لكن الحقيقة أن التغيير ظل دوماً فوقياً، لا يطال إلا القشرة ولا يمس قلب المركز.
إن فهم هذا الواقع لا يكتمل إلا بإدراك البعد المصري الكامن خلفه. فالنخبة المركزية السودانية ظلت مرتبطة تاريخياً بالجنرالات المصريين، منذ محمد نجيب وعبد الناصر إلى السادات ومبارك والسيسي. وكأن السودان لم يعرف يوماً الدولة ما بعد الكولونيالية، بل بقي جزءاً من المدار المصري–الاستعماري القديم. النخبة المركزية ما تزال تتحرك كما لو كانت امتداداً لوالي تركي أو دفتردار جديد، تعيد إنتاج السلطة ذاتها بمصطلحات جديدة.
الخلاصة أن ما يفعله البرهان ليس تفكيكاً لحركة الإسلاميين ولا تأسيساً لمسار جديد، بل إعادة تدوير داخل التحالف القبلي المركزي. الأيديولوجيات، إسلامية كانت أو يسارية أو قومية، ليست إلا واجهات لتغطية استمرار الهيمنة. إن التغيير الذي يحدث هو تغيير فوقي، تغيير في الحدادة التي تخدم السندان ذاته. ولذا فإن الضحية تبقى هي نفسها: شعوب الهامش السوداني، التي تُقصى عن القرار وتُدفع إلى الحروب، بينما المركز يتبادل المقاعد ويواصل اللعبة التي لا تمر إلا على السذج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!