رأي

المحاصصة السياسية: بين سوء التطبيق وإمكانية الإصلاح

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

يعتقد كثيرون أن المحاصصة تمثل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمات السياسية، إذ ارتبطت الوظيفة العامة، وبالأخص المناصب الدستورية، بتوزيع الحصص السياسية على حساب الكفاءة والتأهيل. هذا النمط من التعيين أفرغ العديد من المناصب، خاصة ذات الطبيعة التنفيذية، من مضمونها المهني، إذ تفتقر بعض الشخصيات المعينة إلى الحد الأدنى من الخبرة والمعرفة المطلوبة، ما ينعكس سلباً على الأداء العام، ويقود إلى إهدار الموارد والوقت بسبب غياب الكفاءة المناسبة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المحاصصة قد تكون أداة تنظيمية ضرورية في سياقات الانتقال السياسي، خاصة حين تتشكل الحكومات من تحالفات واسعة تضم قوى مدنية وسياسية وحركات كفاح مسلح وكيانات مجتمعية وأهلية. في هذه الحالات، تصبح الحكومة انعكاساً لتوازنات داخلية دقيقة، ومن الطبيعي أن تمثل هذه المكونات في هياكل الدولة. لكن ذلك ينبغي أن يتم وفق معايير صارمة ومهنية يتم التوافق عليها من خلال حوار شفاف ومبني على أسس واضحة، حيث يشكل التوافق الوطني الضامن الحقيقي لنجاح أي حكومة انتقالية.

في تقديري، لا تكمن المعضلة في مبدأ المحاصصة ذاته، بل في غياب المعايير الدقيقة لاختيار شاغلي المناصب. فالتحدي الأكبر ليس في تشكيل الحكومة، وإنما في قدرتها على تنفيذ برنامج عملي واضح ومحدد المعالم. يجب أن يتجاوز البرنامج الحكومي مرحلة الشعارات أو الالتزامات السياسية العامة (الميثاق السياسي)، ليصبح خطة تنفيذية محكمة تحتوي على مصفوفات عمل وجداول زمنية، وقابلة للقياس والتقييم.

حتى في أعرق الديمقراطيات، تقوم الحكومات على أساس التوافق السياسي وتقاسم السلطة، ولكن ذلك يُبنى على أساس برنامج حكومي متماسك، تلتزم به مكونات التحالف وتساند الحكومة في إنفاذه. من هذا المنظور، فإن الاتجاه نحو تشكيل حكومة تأسيس عبر تحالف عريض ليس خطوة خاطئة، بل هي بداية في الاتجاه الصحيح. غير أن النجاح يكمن في التفاصيل: فإما أن تُدار المحاصصة بمنهجية علمية وعادلة تضمن رفد الحكومة بعناصر مؤهلة تسهم في تحقيق الأهداف الوطنية، أو أن تتحول إلى عبء ثقيل يعيق حركة الدولة، ويعيد إنتاج الفشل تحت لافتة التوازنات السياسية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!