رأي

من الأعراف إلى التجارب الشخصية: رؤية في عمل المرأة ودور الثقافة

د. عيسى حمودة

صحوت اليوم وفي ذهني التعليق على ما تسرّب من أخبار حول رفض بعض الجهات عمل النساء والبنات في البيوت في دولة مجاورة. وهي دولة نتشارك معها الكثير من العادات والتقاليد والروابط الثقافية.

إن ما نسميه “أعرافًا” ليس إلا حصيلة تراكمات تاريخية وتكيّفات اجتماعية عبر أزمنة مختلفة، بعضها محلي النشأة وبعضها الآخر وافد. ومع مرور الزمن تحوّلت تلك الممارسات إلى “عادات” و”تقاليد”، ثم إلى جزء من هويتنا الجمعية.

المرأة في المجال المنزلي كانت صاحبة أول مهنة في التاريخ الإنساني، سواء أكانت بمقابل مادي أو على سبيل التطوع. فقد بدأت بخدمة بيتها، ثم امتدت يدها إلى مساعدة أخواتها وجاراتها وأقاربها، حتى أضحت هذه الممارسات جزءًا من نسيج المجتمع. وفي السودان، مثلًا، اعتادت بعض الأسر إرسال بناتها لمساعدة نساء أخريات، خصوصًا في حالات الحمل أو النفاس، بوصفها واجبًا اجتماعيًا أو عرفًا إنسانيًا.

لكن مع دخول العرب إلى السودان وتبنّي شرائح واسعة من السكان للثقافة العربية، شهد دور المرأة في “سوق العمل” المنزلي تحولات ملحوظة. هذا التغير لم يكن واحدًا في كل الأقاليم، بل اختلف باختلاف البيئات والمجتمعات.

اليوم، ومع تعقّد الحياة وتطاول أمد الحرب وما تخلّفه من ضغوط اقتصادية واجتماعية، يصبح من الضروري إعادة طرح سؤال جوهري: أين ينتهي “الثابت” الثقافي وأين يبدأ “المتغير” العرفي؟ فالثقافة والأعراف ليست جامدة، بل متحركة ومتجددة.

القوانين المحلية والدولية تكفل للفرد حق الجمع بين عمله وثقافته، وتحمي العامل والعاملة على حد سواء. كما أن سوق العمل نفسه قد تطوّر، وأصبحت المهن—حتى المنزلية منها—محكومة بقوانين واضحة تنظم الحقوق والواجبات، وتُصان عبر عقود عمل رسمية خاصة إذا جرى التوظيف عبر مكاتب تشغيل معتمدة.

ومع انتشار التعليم، وتطور أدوات التأهيل والتدريب، ودخول التكنولوجيا في تفاصيل العمل—حتى المنزلي—تتطلب المرحلة الراهنة أن نعيد النظر في عاداتنا، وأن نرسّخ ثقافة الاعتماد على الذات، لاسيما في الجانب المادي.

ولعل من المناسب أن أشارك هنا تجربتي الشخصية في الولايات المتحدة. فالمدارس المتوسطة والثانوية تشجع الطلاب على ثقافة العمل المبكر، وتدربهم على المساهمة في ميزانية الأسرة عبر برامج تدريبية منظمة، بل وتسهّل حصولهم على أذونات عمل في العطلات الصيفية. وهناك منظمات توفر تدريبًا في أعمال رعاية الأطفال وخدمات أخرى.

في هذا الصيف تحديدًا، عمل ابني البالغ من العمر خمسة عشر عامًا في وظيفة مؤقتة لتمشية كلاب أحد جيراننا من كبار السن. حيث يأخذ الكلب كل صباح ومساء في جولة لمدة نصف ساعة. أما ابنتي فقد حصلت على شهادة جليسة أطفال من الصليب الأحمر الأمريكي، ثم أعلنت عن استعدادها للعمل في الحي. وقد كان ذلك أول اختبار عملي لهما خارج نطاق المنزل، ولم يكن بدافع الحاجة المادية، بقدر ما هو تطبيق لفكرة “الاعتماد على الذات” وكسر لرتابة المألوف. فتحت لهما حسابات بنكية وبطاقات سحب تحت إشرافي المباشر، لأوجّههما في كيفية إدارة دخلهما وإنفاقه. حتى إن إحدى بنات جيراننا وجدت عملًا في متجر للجزارة، وهو مثال آخر على تنوع الخيارات المتاحة.

إن الحوار المجتمعي حول مثل هذه القضايا ضروري، لكن لا يقل أهمية عن ذلك مشاركة التجارب الشخصية، فهي تفتح نوافذ جديدة للنقاش وتكسر الحواجز بين الثابت والمتغير في ثقافتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!