رأي

مصر ومحاولة صناعة الفتنة بين السودان وإثيوبيا: قراءة في استراتيجية الهيمنة المائية والصراع الإقليمي

*مجدي شريف

من يتأمل في مجمل السياسات المصرية تجاه السودان وإثيوبيا، يدرك أنّ ما يجري اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم، يمتد لعقود طويلة، عنوانه الأكبر هو “المياه”. فمصر التي اعتادت التعامل مع مياه النيل بوصفها ملكًا حصريًا لها، لم تقبل يومًا أن ترى أي تقارب سوداني–إثيوبي قد يفضي إلى إعادة رسم موازين القوى المائية في حوض النيل. ومن هنا نفهم لماذا تسعى القاهرة، عبر أدواتها العلنية والخفية، إلى إجهاض كل خطوة تعزز من الشراكة الطبيعية بين الخرطوم وأديس أبابا.

أولًا: استراتيجية مصر القديمة الجديدة
منذ عهد الاستعمار البريطاني، ورثت مصر تصورًا استعلائيًا يقوم على أن السودان ليس إلا امتدادًا لمجالها الحيوي، وأن أراضيه ومياهه وموارده قابلة للاستغلال متى شاءت. لذلك، كان أي تقارب بين السودان وإثيوبيا ينظر إليه في القاهرة باعتباره تهديدًا وجوديًا لمصالحها. فالتعاون بين البلدين الجارين يعني عمليًا انهاء سيطرة مصر ادارة توجهات السودان لاسيما في ملف المياه، وفتح الباب أمام تفاهمات مباشرة مع إثيوبيا، صاحبة المنابع الكبرى. هذه المعادلة وحدها كفيلة بأن تفسر عداء مصر لأي تحالف سوداني–إثيوبي، إذ ترى فيه كابوسًا يقوّض طموحاتها التوسعية.

ثانيًا: ثورة ديسمبر وقلق القاهرة
جاءت ثورة ديسمبر المجيدة لتضيف صداعًا جديدًا لمصر. لم يكن الأمر مجرد سقوط نظام حليف للإخوان المسلمين أو تبدّل سياسي داخلي في السودان، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل وعي السودانيين وعلاقاتهم الإقليمية. فالتقارب الذي نشأ بين قوى الثورة وإثيوبيا، ولاسيما بعد المبادرة الشجاعة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لنزع فتيل الأزمة عقب مجزرة القيادة العامة، أثار ذعر النظام المصري. مصر التي طالما أرادت أن تظل الخرطوم خاضعة لهيمنتها، وجدت نفسها أمام لحظة تاريخية تهدد مشروعها.

ثالثًا: انقلاب البرهان واليد المصرية
لم يكن انقلاب البرهان المشؤوم حدثًا منفصلًا أو قرارًا داخليًا صرفًا؛ فقد حملت بصمات التدخل المصري منذ ساعاته الأولى. فالقاهرة كانت تدرك أن استمرار الشراكة المدنية العسكرية التي أفرزتها الثورة سيعني انفتاحًا أكبر على إثيوبيا، وهو ما لا تريده. لذلك عملت مصر على توجيه جيش الفلول لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ودعمت الانقلاب بكل وضوح. ولم تكتف بذلك، بل ذهبت أبعد حين موّلت عمليات الشفتة والتقراي في الفشقة، فخلقت توترًا مصطنعًا بين السودان وإثيوبيا، في الوقت الذي تحتل فيه مصر مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، الغني بالمعادن والثروات! أي ازدواجية أبشع من هذه؟

رابعًا: إريتريا كمنصة للتخريب
ولأن السياسة المصرية اعتادت اللعب بأوراق متعددة، فقد أوعزت لحليفها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بفتح أراضيه لاستقبال مقاتلين مرتزقة، بينهم عناصر من التقراي الذين يسيطرون اليوم على ود مدني وينشرون الرعب بين أهلها. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل فتحت الحدود لتدفق السلاح والمقاتلين إلى شرق السودان، في عملية تخريب ممنهج لمستقبل السودان واستقراره.

خامسًا: الاستثمار في الحرب السودانية
الأخطر أن مصر لا تكتفي بإشعال الحرائق، بل تستثمر فيها علنًا. فقد كانت وراء إجهاض اتفاقي جدة والمنامة، كما أفشلت مفاوضات جنيف، لأنها ببساطة لا تريد وقف الحرب في السودان. مصلحتها أن يبقى النزيف قائمًا، والخراب مستمرًا، لتظل الخرطوم خارج دائرة الفعل في ملف مياه النيل مع استدامة سرقة الموارد الاقتصادية الأخرى. ولعل أكثر التصريحات فجاجة ما قاله أحد خبراء الري المصريين قبل أيام على شاشة التلفزيون: “طالما حرب السودان مستمرة لا مشكلة لدينا في المياه… السودان الآن خارج الخريطة، ونحن نستقبل كامل حصته من المياه، 20 مليار متر مكعب، مباشرة من إثيوبيا”. هذا الكلام ليس زلة لسان، بل إفصاح صارخ عن العقلية التي تدير السياسة المصرية؛ حرب السودان بالنسبة لهم مجرد وسيلة لضمان تدفق المياه إلى بحيرة ناصر وتوشكى!

سادسًا: ما وراء الستار
إنّ أخطر ما في الأمر أن الشعب السوداني يدفع ثمن حرب لم يصنعها، حرب دبرتها جهات خارجية وجدت في ضعف الدولة وعمالة جيشها فرصة ذهبية لتمرير أجندتها. ومصر، وهي تحتل أرضًا سودانية في الشمال، تدفع في الوقت نفسه لتأجيج الصراع مع إثيوبيا في الشرق، لتبقى هي الرابح الوحيد. إنها لعبة قديمة، لكنّ وقاحتها اليوم فاضحة أكثر من أي وقت مضى.

خاتمة: وعي الشعوب كسر اللعبة
ما يجب أن يدركه السودانيون والإثيوبيون على السواء، أن عدوهم المشترك ليس بعضهم بعضًا، بل هذه الأجندة المصرية التي لا ترى في السودان سوى ساحة نفوذ، وفي إثيوبيا سوى تهديد يجب عزله. مواجهة هذه المؤامرات لا تكون بالشعارات فقط، بل بالوعي العميق بضرورات الشراكة بين البلدين، وبناء تحالف استراتيجي يحصّن مصالحهما المشتركة في مواجهة كل محاولات الاختراق. فالنيل لن يكون أداة للابتزاز المصري بعد اليوم، بل جسراً للتعاون بين شعوب المنطقة سيطرة دولة على موارده، متى يدرك السودانيون والإثيوبيون أن وحدتهم هي الضمانة الوحيدة لقطع الطريق أمام المشاريع الخارجية؟

*خبير أمني ومحلل استراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!