
نجم الدين دريسة
من قال إن التاريخ لا يعيد نفسه؟ إنها ليست مجرد عبارة بل جملة دوّت في فضاء الوعي الإنساني، وخلّفت دهشة ما زالت تتردد أصداؤها حتى اليوم. قالها ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا لاحقًا، وكان حينها مراسلًا حربيًا حين وقف مشدوهًا أمام مشهد بسالة الأنصار في معركة كرري. كتب قائلاً:
“كانوا أشجع من مشى على الأرض، لم ولن نهزمهم، لكننا حطمنا قدراتهم بقوة السلاح الناري.”
شهادة لا تصدر عن عاطفة، بل عن اعتراف الندّ للندّ، وخصمٍ لا يملك إلا أن ينحني أمام شجاعة نادرة ومقاومة أسطورية. مؤرخون كُثر وثّقوا تلك اللحظات الخالدة، أبرزهم البريطاني فيليب وارنر، الذي كتب بتجرد:
“ربما نجد في تاريخ الإنسانية من يضاهون بسالة الأنصار، ولكن قطعًا لن نجد من فاقهم شجاعة.”
لقد كانت كرري وما أدراك ما كرري… معركة لم تهزم فيها الروح، بل سجّلت ملحمة تفيض فخرًا في ذاكرة الشعوب، وجعلت من الأنصار مدرسة في الإقدام والكرامة. كانت “شدة الموت لا تروعهم”، وكانوا هم من يروّعون الموت.
فكتب الشعراء والمبدعون ملاحمهم، ونُقشت أسماؤهم على صدر التاريخ، لتظل كرري ملهمة الأجيال:
كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية
واليوم، وبعد أكثر من قرن، يُبعث إرث كرري من جديد. فكما عجز السلاح الاستعماري عن كسر عزيمة الأنصار، تتكرر المشاهد الآن في صفحات مختلفة، ولكن بذات الروح والمضمون.
هناك قوى ورثت بنية الدولة الاستعمارية، لم تتوقف عن تلويث التاريخ ومحاولات تزوير الذاكرة، فأرادت طمس بطولات السودانيين وشيطنة فصول نضالهم المجيد، لكنها فشلت، لأن هناك دومًا من يحمل راية الاستمرار.
قوات الدعم السريع، ومنذ انحيازها المبكر لثورة ديسمبر المجيدة، أعادت إلى الأذهان صور البطولة والنقاء الوطني. لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل حالة وجدانية وطنية انحازت للشعب، وواجهت منظومة العنف والإقصاء التي عجزت عن فعل شيء سوى قتل السودانيين ونهب مواردهم.
فكما هزم أجدادهم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ها هم ينهون أسطورة “قوات دفاع السودان”، تلك المؤسسة التي احترفت الإبادة دون أن تُقدم أي مشروع لبناء الدولة.
في مشهد يعيد رسم ذاكرة التاريخ، يتقدم القائد محمد حمدان دقلو – حمدان – كرأس رمح في معركة تحرير الوجدان السوداني من قبضة الاستعلاء، واستعادة الوطن من براثن التسلط والوصاية.
بطولات تُسطر اليوم من على ظهور “الكروزر الحوامة”، في مواجهة آلة عسكرية عتيقة ورثت أدواتها من الاستعمار، لكنها وقفت عاجزة أمام بسالة الرجال وإرادة الميدان.
من قال إن التاريخ لا يعيد نفسه؟ إنه يعود… حين تتوافر الإرادة، وينهض الأحرار، ويكتب الرجال تاريخهم بدمائهم، لا بأحبار المنتصرين الزائفين. ها نحن نشهد فصوله تُكتب من جديد:
وطن واحد، مصير واحد، وأشاوس لا يُهزمون.




