
خالد تارس
لم تعد الخرطوم هي ذات المدنية التي عرفناها منذ سنوات، المدينة التي كانت تُسمى بكرش الفيل وقلب السودان النابض، حيث تتحوّل إلى مسرح مفتوح للتجريب السياسي والعبث العسكري وغلو العنصرية والمتشددين الاسلامويين، حتى باتت فضاءً خانقاً يرزح تحت تلوث بيئي لا تخطئه (الحواس).. ومن وسط الركام والجثث المتحللة والطرق المدمرة يطل الدكتور كامل إدريس رئيس سلطة الأمل البرهانية، ليمارس على الناس هوايته الأثيرة في صناعة الصورة الدعائية وتلميع الوهم.
وفي زيارة دعائية ومستعجلة عقد كميل اجتماعاً بروباغندياً في الخرطوم لا يقدّم ولا يؤخر شيئاً، غاية الاجتماع هي حصول الرجل على لقطات تذكارية وبعض الصور منها ما ظهوره انه يجمع بضع نفايات من شارع انهكة الرصاص، ليُوحي بأن الخرطوم استعادت عافيتها ويمكن للفارين ان يعودوا اليوم قبل غد، غير أن الصورة التي حاول رسمها سقطت بمجرد أن غادر مهرولاً إلى بورتسودان، حيث يختبئ هناك مع بقية أركان العصابة الكيزانية، تاركاً خلفه مواطنين يواجهون أسوأ أشكال البقاء والعيش في انتظار الموت بلا سبب مفهوم.!
ان محاولة إقناع الناس بأن الخرطوم صالحة للعيش لا تتعدى كونها جزءاً من ماكينة إعلامية بارعة في التزييف والتهويل، لكن تظل الحقيقة أبسط وأقسى ان العاصمة مدينة مسمومة سموم الحرب التي لم تنتهِ، ويبدو شبح الكيماوي في كل مكان، يلوّث الهواء والماء وينشر الموت في اي مكان يمكن تخلية ويحصد الأرواح في صمت رهيب، وان شهادات الأهالي في الخرطوم لا تحتاج إلى مختبرات دولية لإثبات صدقها، وان كثيرون منهم يتحدثون عن تغيّرات بيئية واضحة أدت إلى حالات اختناق متكررة لبعض المواطنين، وأمراض جلدية وتنفسية غير مألوفة، وحدوث وفيات مفاجئة بلا أي تفسير طبي منطقي، هذه الحالة الماساوية ليست صدفة ولا إشاعة، بل هي إشارات قوية على أن الخرطوم تُدار اليوم كساحة لتجريب السلاح (المحرّم).. وأن حياة المدنيين تُختزل في أرقام بلا أسماء.!
الأخطر من ذلك أن الخطاب الرسمي لبورتسودان يحاول تبرير الصمت والالتفاف عليه، بينما الإعلام الموالي للفلول يسعى إلى تسويق صورة مزيفة عن مدينة صالحة للحياة، وتبقى المفارقة أن كامل ادريس الذي أطلق هذه الدعاية هو نفسه الذي يغرّد في اليوم التالي محذراً المواطنين من مخاطر الإشعاع الموجود، فكيف يستقيم أن تكون الخرطوم مدينة معافاة وفي الوقت ذاته مسرحاً للتحذيرات (الإشعاعية).؟
إن ما يحدث اليوم يعد جريمة حرب مزدوجة، جريمة استخدام الأسلحة المحرّمة ضد المدنيين من جانب، وجريمة التلاعب بوعي الناس عبر الإعلام والتصوير الدعائي من جانب اخر، فالوضع في الخرطوم لايحتاج إلى عروض سياسية رخيصة، بل مواجهة شجاعة مع الحقائق. لقد تحوّلت الخرطوم في العاميين الماضيين إلى عاصمة الكيماوي، هذا الوصف ليس مجازاً ولا تهويلاً، بل هو حقيقة تُثبتها الأعراض والوفيات وصمت المسؤولين عنها، وما وفاة رئيس قسم الاستجابة بالطوارئ والوبائيات ليلى حمد النيل إلا اجابة على التساءلات الغامضة والمخبئة. ان من يجرّم استخدام السلاح الكيميائي في العالم كله، لن يصمت مطلقاً على هذه الماساة الانسانية وان الصمت لم يعد خياراً، وتعد المساومة على أرواح المدنيين جريمة لا تقل عن جريمة استخدام الكيماوي نفسه، وإذا تعامى العالم عن هذه الجريم فإن التاريخ لن يرحم الفاعلين ولا الصامتين، ان الوضع في الخرطوم اليوم يدق ناقوس الإنذار، وعلى الجميع أن يسمعوا قبل أن تتحول المدينة إلى مقبرة جماعية مكتوبة على جدرانها عبارة كانت هنا الخرطوم.




