التعليم المهني الاستثمار الذي يصنع نهضة السودان: رؤية إصلاحية
إعداد :عبدالعليم بابكر: و بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن

إعداد :عبدالعليم بابكر: و بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن
لا يمكن للسودان أن يحقق نهضة اقتصادية حقيقية أو يستثمر موارده الطبيعية الهائلة ما لم يضع الإنسان في قلب عملية التنمية. فالثروات المعدنية و الزراعية و الحيوانية والنفطية، مهما بلغت قيمتها، تظل موارد خامًا إذا لم تجد الكفاءات الوطنية القادرة على إدارتها و تحويلها إلى قيمة مضافة. و من هنا، يصبح التعليم المهني و التقني أحد أهم مرتكزات الاستثمار البشري في مرحلة إعادة بناء الدولة.
و تتطلب هذه المهمة إعادة هيكلة جذرية لمنظومة التعليم، مستلهمةً تجارب ناجحة مثل النظام المزدوج في ألمانيا و التجربة الفيتنامية، مع تكييفها لتلائم الواقع السوداني و احتياجات سوق العمل المحلية. فالمطلوب هو الانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى التعليم القائم على الإنتاج و العمل، بحيث يشكل التدريب العملي نحو 70% من العملية التعليمية، مقابل 30% فقط للتعليم النظري، و أن يكون التخرج قائمًا على مشاريع إنتاجية تعالج مشكلات حقيقية في المجتمع.
و من الضروري كذلك تبني نموذج “المدرسة المنتجة”، بحيث تتحول المدارس الفنية و الكليات التقنية إلى وحدات إنتاج و تدريب في آن واحد، من خلال إنشاء ورش للنجارة و الحدادة، و معامل للصناعات الغذائية، و مصانع تدريبية صغيرة داخل المؤسسات التعليمية، على أن تُسوَّق منتجاتها في الأسواق المحلية. فهذا النموذج لا يزود الطلاب بالمهارات العملية فحسب، بل يرسخ ثقافة العمل و الإنتاج و ريادة الأعمال منذ المراحل الأولى.
كما ينبغي إعادة توزيع مؤسسات التعليم المهني وفق الخريطة الاقتصادية للبلاد، بدلاً من تركيزها في المدن الكبرى. فلكل إقليم موارده و احتياجاته، و من المنطقي أن تنشأ أكاديمية للتعدين في جنوب كردفان و جبال النوبة، و أكاديمية متخصصة في النفط بغرب كردفان، و أكاديميات للزراعة و الغابات في مناطق الصمغ العربي بكردفان و دارفور، و معاهد للإنتاج الحيواني و الطب البيطري في مناطق الثروة الحيوانية. إن تدريب الشباب داخل بيئتهم الإنتاجية يجعل التعليم أكثر ارتباطًا بواقعهم و يعزز فرص بقائهم للمساهمة في تنمية مجتمعاتهم.
و لكي تنجح هذه المنظومة، لا بد من شراكة حقيقية بين الدولة و القطاع الخاص. و ينبغي إلزام الشركات العاملة في قطاعات التعدين و النفط و الزراعة بالمساهمة في تمويل مراكز التدريب المهني، و استيعاب المتدربين، و توفير برامج تدريب داخل مواقع العمل، مقابل حوافز ضريبية و تشجيعية. كما يمكن جعل برامج التدريب المهني أحد متطلبات منح أو تجديد التراخيص التشغيلية للشركات، بما يضمن مساهمتها في بناء الكوادر الوطنية.
و في الوقت ذاته، ينبغي إنشاء كليات مهنية تمنح دبلومات تطبيقية تمتد بين سنتين و ثلاث سنوات، تركز على المهارات العملية أكثر من الجوانب النظرية، و تستجيب مباشرة لاحتياجات الاقتصاد الوطني.
و تتمثل الأولويات في إعداد كوادر متخصصة في القطاعات الاستراتيجية. ففي التعدين و النفط يحتاج السودان إلى جيولوجيين تطبيقيين، و فنيي الحفر، و صيانة الآليات الثقيلة، و الكيميائيين التحليليين. و في الزراعة و الغابات تبرز الحاجة إلى مهندسي الري، و فنيي الميكنة الزراعية، و خبراء إدارة الغابات و الحرائق و تصنيع الأخشاب. أما في قطاع الثروة الحيوانية، فتزداد الحاجة إلى الأطباء البيطريين الميدانيين، و فنيي التلقيح الاصطناعي، و خبراء إنتاج الأعلاف. كما يتطلب تطوير البنية التحتية إعداد فنيي المساحة، و مشغلي المعدات الثقيلة، و فنيي اللحام و الهياكل المعدنية، و متخصصي صيانة السكك الحديدية و الطرق.
و لا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن يتجاهل الثورة الرقمية. فدمج الذكاء الاصطناعي و تحليل البيانات في برامج التعليم المهني أصبح ضرورة، سواء للتنبؤ بأعطال معدات التعدين و الآليات الثقيلة، أو لتطوير أنظمة الصيانة الوقائية و التحكم الرقمي. كما ينبغي إدراج تخصصات هندسة البرمجيات و الأمن السيبراني لحماية البنية التحتية الرقمية للقطاعات الإنتاجية.
و بالتوازي مع ذلك، فإن ربط الإنتاج بالتصنيع يمثل الحلقة المفقودة في الاقتصاد السوداني. فلا يكفي استخراج الموارد الخام، بل يجب إنشاء ممرات اقتصادية تربط مناطق الإنتاج بمراكز التصنيع، و إقامة مصانع للأسمدة بالقرب من مناطق الفوسفات، و مسالخ و مصانع لتعليب اللحوم و الألبان في مناطق الرعي، و وحدات صغيرة لتصنيع الصمغ العربي في مناطق إنتاجه، بما يضاعف القيمة المضافة و يخلق فرص عمل جديدة.
كما ينبغي تشجيع الصناعات الصغيرة و المتوسطة في الريف، مثل تصنيع الألبان والعصائر و منتجات الفاكهة، حتى تتحول القرى الواقعة على مسارات الإنتاج و الترحال إلى مراكز اقتصادية نامية، بدلاً من أن تظل مجرد مناطق لتصدير المواد الخام.
إن الحفاظ على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الصمغ العربي والثروة الحيوانية، لا يتحقق إلا بإضافة قيمة صناعية داخل مناطق الإنتاج نفسها، فبيع المنتجات نصف المصنعة أو المصنعة يحقق عائدًا اقتصاديًا يفوق بكثير تصدير المواد الخام، و يخلق سلاسل إنتاج و تشغيل تمتد إلى آلاف الأسر.
غير أن تحقيق هذه الرؤية يظل مرهونًا بتوافر بيئة مستقرة. فلا تعليم منتج في ظل الحرب، و لا استثمار في ظل انعدام الأمن. و لذلك فإن وقف الحرب و إرساء السلام يمثلان الخطوة الأولى نحو إعادة بناء منظومة التعليم و الإنتاج. و عندما تتكامل الرؤية الاستراتيجية مع الإرادة السياسية و الاستثمار في الإنسان، يمكن للسودان أن يسير في الطريق نفسه الذي سلكته دول نهضت من أنقاض الحروب، و في مقدمتها فيتنام، التي جعلت من التعليم المهني و الاستثمار في رأس المال البشري نقطة الانطلاق نحو التنمية المستدامة.




