
خالد فضل
ما يجب الإعتراف به بوضوح هو أنّ الديمقراطيين في السودان لم يختبروا ديمقراطيتهم بشكل معقول حتى الآن , لم تترسخ الممارسات الديمقراطية طيلة التاريخ الوطني للسودانيين , في الحقيقة منذ العام 1917م وهو التاريخ الذي تحددت بوقائعه الحدود الجغرافية للدولة السودانية وأصبح السودان يوصف بأرض المليون ميل مربع , قبل أن تتقلص المساحة بمقدار الثلث تقريبا باستقلال دولة جنوب السودان في العام 2011م قبل سنوات قليلة من المائة سنة الأولى للتكوين , لم تنشأ بيئة ديمقراطية توفر فرصة النمو والتطوير للفرد حتى يصبح ديمقراطيا حقيقيا , لذلك يظل الوصف مجازا في الواقع , ولعل النقد الموجهة للقوى الديمقراطية بأنها فاقدة للديمقراطية في نفسها ليس تجنيا رغم قساوته , فمن أين تتغذى الديمقراطية إذا لم يك لها حبل سري يغذيها وهي في الرحم تتدرج في مراحل النمو .
الفترات القليلة المتقطعة التي جرت فيها انتخابات حرة ونزيهة نسبيا لم تك شاملة لكل المواطنين , هناك دوائر لم تشهد تلك التجربة بسبب تردي الأوضاع الأمنية في الغالب , خاصة في المديريات الجنوبية . مما يعني أنّ هناك مواطنين سودانيين ولدوا وعاشو لنحو 94سنة ماتو بعدها لم يجربوا أبسط عملية ديمقراطية وهي الترشح والترشيح في انتخابات عامة حرة .قد تكون صفة الشمول حدثت مرة واحدة في انتخابات 1954م على أخريات الحكم الاستعماري , ولكن لا يمكن وصفها بالانتخابات الديمقراطية الحرة إذ تكن البلاد نفسها قد ملكت حريتها بعد .
ولا ننس بالطبع أنّ الانتخابات لا تعني الديمقراطية إنّما هي إحدى الوسائل الديمقراطية , وكثيرا ما يعتبر بعض الناس أن إجراء العملية الانتخابية هي الديمقراطية نفسها . لذلك لا يتواني البيان الأول للقوات المسلحة عقب الانتفاضة الشعبية بتحديد سقف زمني قريب لإجراء الانتخابات التي تعبّر عن إرادة الأمة . في الواقع تجرى عملية ديمقراطية واحدة بينما تظل مقومات الديمقراطية نفسها غائبة وعلى رأسها طبيعة الدولة وما إذا كانت تمثل جوهر الديمقراطية أم شكلها فقط .
ظهر في الانتفاضة الشعبية الأخيرة في ديسمبر2018م تطور ايجابي , بحيث فطنت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى مسألة ترتيب البيئة ديمقراطيا مما يجعل للعملية الانتخابية معنى , ولعل هذا الانتباه هو سبب العداء الشديد لفترة الانتقال من جانب قوى العهد المباد خصوصا مؤسساته الأمنية والعسكرية , ووجد هذا العداء بيئة شمولية غالبة , وهشاشة في القوى الديمقراطية نتيجة التنشئة في بيئة معادية لقيم الديمقراطية .
تلك تجربة انقضت , تلاها راهن غشوم أكبر تجلياته الحرب الأهلية الطاحنة التي أكملت دورتها الآن لثمانية وعشرين شهرا ونصف تقريبا , وبرز خلالها تحدٍ جاد وضع الشعب أمام اختبار حقيقي بين استمرار الدولة الوطنية كما في سابق سنواتها السبعين أم يتم تأسيسها من أول جديد وإعادة ترتيبها بحيث تصير وطنا يسع الجميع .
ويزداد التحدي تعقيدا أمام الديمقراطيين بصورة خاصة , فهم مطالبون بتوازن دقيق بين ديمقراطيتهم والمحافظة على استمرار بلادهم موحّدة . فقد برز على الساحة طرح جديد لمفهوم الوحدة الوطنية ؛ وهو في الحقيقة ليس جديدا بالمرة فقد ظهر في أدبيات سابقة لتحالف التجمع الوطني الديمقراطي , وتضمنته مواثيق اتفاقية نيفاشا للسلام 2005م ربما الجديد فيه هو تبنيه من جانب قوى سياسية وعسكرية ؛ بعضها كان جزءا من المؤسسة العسكرية الحكومية نفسها كما في حالة الجيش الشعبي لتحرير السودان وقوات الدعم السريع . إضافة إلى الوجود الكمي والنوعي لحزب الأمة القومي كواحد من أكبر وأعرق القوى السياسية الديمقراطية في السودان , فقد تواطأ هذا الحزب على مبادئ تأسيسية جديدة بمنأى عن برنامج نهج الصحوة الإسلامي , وهو آخربرنامج سياسي حاز به الحزب على أكثرية مقاعد الجمعية التاسيسية في انتخابات 1986م . الآن رئيس الحزب المكلف وعدد كبير من قياداته وقواعده انحازوا لمشروع تقوم موثيقه على العلمانية ومنع قيام الأحزاب على أسس دينية أو عنصرية , وتفكيك تنظيم الحركة الإسلامية وواجهاتها .
هنا اختبار حقيقي أمام الديمقراطيين , كيف يتعاملون مع هذا الخيار الديمقراطي لجزء من الشعب السوداني , طرح ضمن وثيقته تأسيس الوحدة الطوعية القائمة على الحق في تقرير المصير , هل ينظر إلى ذلك بريبة وتشكيك واتهام بأنه دعوة للانفصال , وهل الوحدة شئ مقدّس وثابت لا يتزحزح لأي سبب مقنع لجمهور من المواطنين , أم هو حق ديمقراطي أصيل , دعنا كديمقراطيين نتوافق حول المبدأ ويحدث الاختلاف الطبيعي حول التفاصيل فذاك هو مجال العمل الديمقراطي ووسيلته الحجة والإقناع , كما أنّ معيار التحليل والتقرير لابد أن يأخذ بمبدأ النسبية وليس الإطلاق , فمثلا (بصارة ) الحزب الشيوعي في عطبرة وتنسيقه مع سلطات الأمر الواقع في الولاية في موضوع مياه الشرب لمواطني المدينة , هل يؤخذ في اطار البصارة السياسية أم يدخل في خانة الجريمة التي تستحق العقاب . بالمثل هل انخراط قوى الحرية والتغيير في مقاوضات الاتفاق الإطاري خيانة للشعب أم عمل سياسي عادي في نطاق المسموح . كذلك التحالف مع الدعم السريع على مبادئ التأسيس وليس التعاون على الإثم والعدوان هل يعتبر فعلا سياسيا مشروعا أم تحته عشرات الخطوط , كذلك تمسّك مكونات صمود بطريقهم وخطتهم السياسية يعتبر من الأفعال الحميدة أم رجس شيطاني بأجنحة هبوط ناعمة , هكذا تتفاوت المواقف والتقديرات السياسية بين القوى السياسية والحركات المسلحة , وهو في النهاية نشاط ديمقراطي يجب رعايته وتطويره لينجب بيئة ديمقراطية راسخة توفرالأرضية لبناء الوطن والنهوض به .
ليس من شيم الديمقراطي أن يضع لونين فقط يا أبيض يا أسود في تقييم المواقف , ذلك يفقد الديمقراطية ميزة تعدد الخيارات , ربما خلط اللونين يولد لونا ثالثا مرغوبا . فهل تجتاز القوى الديمقراطية امتحان الخيارات المتاحة , وتعبر بأفقها نحو جوهر الديمقراطية والعمل على استدامتها وتنميتها بحيث تصبح المفاضلة بين المواطنين في البرامج المطروحة لخدمتهم وتطوير بلدهم عوضا عن خطط السحق والفتك والجغم التي لم تنجب سوى بلد في جوف الضياع ؛ أو بالأحرى في أفواه الضباع .




