
نجم الدين دريسة
حينما تصبح البنادق سوطاً للجلاد، تفقد الشرعية معناها وتولد قوى التأسيس.
عندما قرأت شروط الجيش المختطف من قبل جماعات الهوس الديني للهدنة، رفعت حاجبي فوق مستوى الدهشة والتعجب في آن واحد، ودخلت في حالة من الذهول المطلق أمام هذا المنطق العسكري الملتوي. إنها شروط ليست تعجيزية فحسب، بل هي شروط المهزوم العاجز تماماً عن قراءة الواقع الميداني والسياسي، شروط تؤكد بوضوح لا لبس فيه أن هذا الجيش ليس غير جدير بالاحترام والتقدير الوطنيين فحسب، بل هو فعلياً عدو السودان الأول وعدوه اللدود عبر التاريخ. إنه يثبت في كل المحافل والمنعطفات التاريخية المفصلية أنه جيش يخدم المصالح الإستراتيجية المصرية بشكل أعمى، وليس جيش السودان الحقيقي بأي حال من الأحوال، وليست هي قوات الشعب المسلحة كما يزعم قادته المأجورون، بل هي العدو المسلح الجاثم على صدور المواطنين الأبرياء منذ فجر التاريخ الحديث. إنه نفس الجيش العقائدي الفاسد الذي يقتل الشعوب السودانية بلا رحمة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والخرطوم، وفي الوقت ذاته يحرس ويصون المصالح المصرية الحيوية والأمنية في السودان على حساب كرامة شعبه وسيادة أرضه المنهوبة. إنه نفس الجيش الوظيفي الذي تأسس إبان عهد الاستعمار الثنائي البغيض في عام ١٩٢٥، وظل منذ ذلك الحين أحد أدواته القمعية القذرة التي وظفها المستعمر الأجنبي ضد تطلعات الشعوب السودانية الحرة نحو الانعتاق والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.
نعم، إنه مجرد مخلب قط محلي ومطية طيعة للتدخل المصري السافر والمستمر في الشأن السوداني الداخلي، ونفس الجيش الذي ظل على مر العقود الماضية عرضة للاختطاف الأيديولوجي والارتهان الخارجي والاختراق الاستخباراتي من كل حدب وصوب. إن هذا الجيش يملك سجلاً سيئاً للغاية ومليئاً بالانتهاكات الصارخة والجرائم الفظيعة والجرائم ضد الإنسانية والقتل الجماعي، وهو نفس الجيش الذي خاض كل حروبه الدموية العبثية على مدى سبعة عقود كاملة من الزمان ضد الشعوب السودانية المهمشة والمظلومة في الأطراف والمناطق النائية، عوضاً عن حماية الثغور وصون السيادة. إنه الجيش المنهزم نفسياً وعسكرياً، الذي ظل صامتاً مستسلماً كالقبر ومصر تغتصب عياناً بياناً أراضي حلايب وشلاتين وأبو رماد السودانية وتفرض عليها سياسة الأمر الواقع دون أن ينبس ببنت شفة أو يطلق رصاصة واحدة دفاعاً عن الكرامة الترابية. نعم، إنه نفس الجيش المتخاذل الذي ظل صامتاً ومتواطئاً والطيران المصري منذ سبعينيات القرن المنصرم يقصف الشعوب السودانية العزلاء ويدمر البنية التحتية الحيوية في مناطق النزاعات المختلفة، مساهماً في إدامة الاستعمار الإقليمي وإخضاع البلاد للإرادة الخارجية.
الجيش الذي اشترط بكل وقاحة خروج قوات التأسيس الوطنية من كل المدن المحررة والمناطق المستردة هو جيش خائن يريد بكل وضوح الإبقاء على الاستعمار المصري في بلادنا، ولا يريد للشعوب السودانية الأبية أن تتحرر من ربقة التبعية والذل والاستعباد التاريخي. أي غباء سياسي وعسكري مطلق يمارسه هذا الجيش الذي تحول بمرور الوقت إلى الجيش الرابع لمصر في المنطقة؟ هل يظن قادة هذا الجيش الفاسد أن قوات التأسيس، التي تمثل قوات التحرر الوطني الحقيقي والانعتاق، سترضخ لمثل هذه الخزعبلات السمجة والأوهام الواهية والأماني السرابية المريضة؟ إن جيش البازنقر هذا لا يزال يحلم واهماً بالشتاء الدافئ في غرف الفنادق الفاخرة، متناسياً أن عقارب الساعة التاريخية لن تعود أبداً إلى الوراء، وأن إرادة الشعوب الحرة أقوى من كل المؤامرات الدنيئة المنسوجة في دهاليز المخابرات الأجنبية. ما يعلمه جيش البازنقر يقيناً في قرارة نفسه وفي خنادقه المتهاوية هو أن قوات التأسيس هي قوات التحرر الوطني الحقيقية، وماضية بكل عزم وثبات وقوة نحو تحرير السودان كاملاً من دنس الاستبداد وارساء دعائم التغيير الجذري والشامل في بنية الدولة والمجتمع.
إن الشعوب الأبية التي يتكئ عليها مشروع السودان التأسيسي العظيم هي الفئات الأعرض والأوسع والأكثر سودانوية والأحرص على الاستقلال الحقيقي والاستقرار الشامل والتنمية العادلة في كل شبر من أرض الوطن. لأن مشروع السودان التأسيسي ليس مشروعاً نخبوياً ضيقاً، بل هو مشروع التحرير العريض الذي يضم ويستوعب الشعوب السودانية بمختلف خلفياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والمناطقية والفئوية والثقافية المتنوعة دون إقصاء أو تمييز. لقد اتحدت كل هذه القوى الحية والفاعلة من أجل تأسيس دولة سودانية جديدة على أسس حديثة وعادلة ومستدامة وقادرة تماماً على توظيف واستغلال مواردها الوطنية الهائلة لخدمة شعوبها وتنميتها، لا لخدمة المخابرات المصرية وجيشها الذي يعتبر الأسوأ في العالم أجمع من حيث مستويات الفساد المالي والاستبداد السياسي والقمع الممنهج. إن مشروع السودان التأسيسي يسعى بكل جدية وقوة إلى إعادة تعريف الدولة السودانية من جذورها التاريخية، وخلق عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق المواطنة المتساوية، وتأسيس دولة مدنية علمانية ديمقراطية لا مركزية حقيقية تحترم التنوع الخلاق وتصونه من عاديات الزمن.
إنه مشروع وطني جامع وعبقري يسعى بكل السبل والوسائل المتاحة لمنع السودان من مغبة الانزلاق الخطير في مهاوي التشظي والتفكك والتقسيم والانهيار الشامل بسبب السياسات الإقصائية العنصرية الفاشلة التي انتهجتها دولة ١٩٥٦ النخبوية وجيشها العنصري البغيض. إن تفكيك هذه البنية العسكرية المأجورة بات ضرورة وطنية ملحة لتحقيق السلام والاستقرار البنيوي، حيث أثبتت التجارب أن استمرار هذا الجيش بشكل الحالي يعني استمرار الحروب والدمار. إن وعي الجماهير السودانية اليوم قد تجاوز كل الأكاذيب والشعارات الزائفة التي يروج لها إعلام النظام البائد، وأصبح الشعب يدرك تماماً أن معركة التحرير هي المعركة الفاصلة بين عهد الارتهان الإقليمي وعهد السيادة الوطنية الحرة والمستقلة. إن التزام قوات التأسيس بالخيار المدني الديمقراطي وبناء مؤسسات وطنية مهنية تعبر عن كل السودانيين هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار المآسي والفظائع التاريخية التي ارتكبتها عصبة الهوس الديني وحلفاؤها في المؤسسة العسكرية المستلبة التي باعت شرفها العسكري لصالح أجندات لا علاقة لها بالوطن أو المواطن.
من هذا المنطلق، فإن شروط الهدنة المضحكة التي يروج لها إعلام الجيش لا تعدو كونها رقصة الموت الأخيرة لنظام يتهاوى ويحتضر أمام ضربات الحق وقوى التغيير الجذري التي لن تتوقف حتى تحقيق كامل أهدافها في الحرية والعدالة والسلام. إن الطريق نحو السودان الجديد قد عُبّد بدماء الشهداء وتضحيات الجماهير العريضة، ولا يمكن لأي قوة إقليمية أو محاور استخباراتية أن تعيد إنتاج دولة القهر والظلم والفساد التي استمرت لعقود طويلة تحت حماية بنادق البازنقر المأجورة. إن المستقبل يكتبه الأحرار بأيديهم، ومشروع التأسيس هو العنوان الأبرز لهذا الغد المشرق الذي سينعم فيه كل سوداني وسودانية بالحقوق الكاملة والعيش الكريم في وطن حر ومستقل بكل ما تحمله الكلمة من معنى وسيادة حقيقية على الأرض والموارد والقرار الوطني المستقل.
وفقاً لهذه الرؤية الإستراتيجية العميقة والمتقدمة، يتضح للجميع أن الأزمة السودانية الحالية ليست مجرد صراع عابر على السلطة أو نفوذ سياسي ضيق، بل هي صراع وجودي وتاريخي محتدم بين مشروعين لا يلتقيان أبدًا في نقطة مشتركة؛ مشروع التبعية والارتهان للخارج الذي يمثله جيش دولة ١٩٥٦ ومن خلفه جماعات الهوس الديني المتطرفة التي عاثت في الأرض فساداً وتدميراً، ومشروع التحرر الوطني والنهوض المستقل الذي تقوده وتتبناه قوى التأسيس الوطنية الحية. إن هذا الصراع التاريخي المفصلي يضع كافة أبناء وبنات الشعب السوداني أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية الكبرى في دعم خيار التغيير الجذري والالتفاف الكامل حول مشروع الدولة المدنية العلمانية اللامركزية كسبيل وحيد وأوحد لإنقاذ البلاد من التفتت والانهيار. إن الانتصارات المتتالية التي تحققها قوى التحرر في مختلف الميادين والجبهات تسطر بمداد من نور فصلاً جديداً من فصول العزة والكرامة، وتؤكد أن قطار التغيير قد انطلق بالفعل ولن توقفه تلك الشروط الهزيلة البائسة الصادرة عن قيادة عسكرية معزولة شعبياً ودولياً، تعيش في أوهام الماضي وتقتات على فتات الدعم الاستخباراتي الخارجي الذي لن ينقذها من مصيرها الحتمي المحتوم في مزابل التاريخ.
إن البناء المفاهيمي لدولة السودان التأسيسي يتجاوز ردود الأفعال السياسية المؤقتة ليؤسس لمنظومة حكم راسخة وقائمة على قيم العدل والمساواة والاعتراف بالتعددية الثقافية والإثنية والدينية كعنصر قوة وإثراء للوجدان الوطني الجماعي، بدلاً من اتخاذها كذريعة للإقصاء والتهميش والحروب الأهلية المدمرة. هذا الوعي المتقدم هو ما يجعل قوى التأسيس تحظى بهذا التأييد الشعبي الجارف في كل ولايات ومدن وقرى السودان، لأنها تعبر بصدق وأمانة عن تطلعات الملايين الذين عانوا من ويلات الحروب والظلم والفقر الممنهج طوال العقود الماضية بسبب السياسات الرعناء لعصابة الخرطوم المركزية وجيشها الوظيفي الخائن. بناءً على ذلك، فإن المضي قدماً في إرساء دعائم العقد الاجتماعي الجديد وإعادة هيكلة وتفكيك كافة مؤسسات القهر والارتهان وفي مقدمتها هذا الجيش الفاسد، يعد الواجب الوطني المقدم والشرط الأساسي والضروري لعبور البلاد نحو مستقبل واعد تسوده قيم الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية الحقيقية لجميع المواطنين على حد سواء وبدون أي تمييز. ختاماً، يمكننا القول بكل ثقة وتأكيد ويقين راسخ إن فجر الخلاص قد لاح في الأفق السوداني الرحب، وأن التضحيات الجسام التي قدمتها وتصنعها الشعوب السودانية بمختلف مكوناتها الاجتماعية لن تذهب سدى ولن تضيع هدراً في مهب الريح. إن مشروع التأسيس الوطني العريض والعميق قد تحول اليوم إلى واقع ملموس وقوة دفع تاريخية جبارة لا يمكن قمعها أو تجاوزها أو القفز عليها من قبل أي جهة كانت، داخلية أو خارجية. وإن التغيير قادم بقوة وعزم وإرادة وتصميم وثبات أكيد لبناء غد أفضل وأجمل وأرحب لكل أبناء هذا الوطن العزيز العظيم.




