
نشرت صحيفة (ذا غارديان) النيجيرية في عددها الصادر بتاريخ 27 أغسطس 2025 خبرًا يفيد بأن سفارة السودان في أبوجا أصدرت بيانًا نفت فيه ما ورد ـ نقلاً عن موقع فرنسي ـ حول اعتراف قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بالسيادة المصرية على مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد.
المثير في القضية لم يكن مضمون المزاعم وحده، ولا انعدام السند الشرعي والدستوري لمثل هذه الخطوة فحسب، بل أسلوب النفي ذاته. فليس من المعقول أن يقتصر الرد الرسمي على قضية تمس جوهر السيادة الوطنية في بيان صادر عن سفارة السودان في أبوجا. وحتى إذا سلمنا بأن البيان جاء بحكم اختصاص السفارة بالرد على ما تنشره الصحافة المحلية في نطاق عملها، فإن السؤال الجوهري يظل قائمًا: لماذا لم تبادر سفارتا السودان في باريس وموسكو بنفي ما نشره موقع reseauinternational الفرنسي ووكالة روسيا اليوم حول اعتراف البرهان بالسيادة المصرية، وتوجيهه مفوضية الحدود القومية بتعديل الخرائط لإظهار المثلث ضمن الحدود المصرية، تمهيدًا لمحادثات ترسيم الحدود البحرية مع السعودية؟
إن الاكتفاء بنفي محدود عبر سفارة أبوجا ـ في قضية بهذه الحساسية ـ لا يرقى إلى مستوى الحدث الجلل الذي يمس وحدة التراب السوداني. كان المنتظر أن يأتي النفي من مجلس السيادة الانقلابي نفسه، أو على الأقل من الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية.
هذا الموقف يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة:
هل تعمدت السلطة الانقلابية التقليل من خطورة الأمر عبر إحالته إلى مستوى أدنى؟
أم أن المسألة مجرد محاولة لجس نبض الشارع السوداني والمجتمع الدولي قبل الدخول في تفاهمات أوسع مع القاهرة؟
أم أن ما جرى يعكس ببساطة هشاشة مؤسسات الدولة وتآكل صلاحيات وزارة الخارجية، واقتصارها على بيانات بروتوكولية بعيدة عن صميم القضايا الوطنية؟
النتيجة الواضحة أن النفي عبر أبوجا لا يُبَدِّد الشكوك، بل يرسّخها. وما نخشاه هو أن يتحول ملف حلايب من مجرد نزاع حدودي إلى ورقة مساومة سياسية على طاولة الانقلاب في علاقاته الإقليمية. والأخطر من ذلك أن هذه المعالجة المرتبكة تضعف الموقف السوداني أمام المجتمع الدولي، وتكشف عجز النظام عن التعامل مع قضية سيادية بالجدية والمسؤولية اللازمتين.
إن القضية ليست خبرًا عابرًا في صحيفة، بل مسألة تتصل مباشرة بوحدة السودان وسيادته على أراضيه.
حلايب سودانية… مثبتة بالخرائط والوثائق الدولية.
السيادة لا تُباع… والثورة مستمرة حتى استرداد الوطن وبناء الحكم المدني الديمقراطي.



