رأي

صراع الأصل والامتداد في الحرب السودانية

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت إلى مسار يعيد تشكيل الدولة نفسها كلما طال أمده، بحيث لا تنتهي بغياب طرف، بل بإعادة ترتيب شكل السلطة والنفوذ داخل واقع جديد يولده استمرار القتال.

منذ البداية، لم يكن الخلاف قائماً على تنازع مباشر بقدر ما كان اختلافاً عميقاً في الرؤية لطبيعة الدولة وأدوات الحكم وإدارة السلطة. لكن انتقال هذا الاختلاف إلى الحرب جعل الصراع ينتقل من السياسة إلى إعادة تشكيل موازين القوة بالقوة المسلحة.

وفي هذا السياق، لا يؤدي استمرار الحرب إلى إنهاك الأطراف العسكرية فقط، بل يسمح أيضاً بظهور واستمرار قوى سياسية وأيديولوجية تستفيد من حالة عدم الاستقرار، وفي مقدمتها التيارات الإسلاموية، التي تجد في طول أمد الحرب مساحة لإعادة التموضع، والتأثير على اتجاهات الصراع، والتقدم في لحظات التهدئة أو الانسداد السياسي.

في جوهر ما يجري في السودان، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل مسار أكثر تعقيداً يعيد تشكيل بنية الدولة مع كل جولة قتال، ويتيح تموضع قوى سياسية وأيديولوجية تستفيد من استمرارها، وفي الوقت نفسه تتداخل فيه السرديات الإعلامية والتسريبات مع الميدان في توجيه مسارها بعيداً عن مسارات الحل السياسي أو التفاوض.

وفي هذا التشابك، لا يمكن فصل مسار الحرب عن محاولات إعادة تموضع قوى سياسية فقدت حضورها بعد لحظة الثورة التي أطاحت بها، إذ يبدو أن استمرار الصراع يتيح لها فرصاً غير مباشرة للعودة عبر بوابات الفوضى وتباين أولويات أطراف القتال. ومع سوء تقدير طبيعة الصراع بين الجيش والدعم السريع، ينشغل الطرفان بالحسابات العسكرية المباشرة، بينما تتسع في الخلفية مساحات حركة لقوى أخرى تستفيد من انشغال الأطراف ببعضها، ما يجعل الحرب وسيلة لإعادة ترتيب مواقع النفوذ التي أزاحتها التحولات السياسية السابقة.

بهذه الصورة، تتقاطع ثلاثة مستويات داخل الحرب: إعادة تشكيل الدولة وموازين السلطة، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين المستفيدين من استمرارها، وتداخل الميدان مع الإعلام في توجيه مسارها بعيداً عن أي مسار سياسي أو تفاوضي، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد صراع يُحسم، بل بنية ممتدة تتداخل فيها أسباب البقاء والاستمرار.

حتى المواد والتسريبات المتداولة في الإعلام، بما فيها مقطع الفيديو المنسوب إلى أحد المنشقين عن الدعم السريع وما تضمنه من إشارات حول ترتيبات وتحركات مرتبطة بسير المعركة، وبغض النظر عن الجدل حول تفاصيله، تكشف أن الحدث العسكري لم يعد منفصلاً عن محيطه السياسي والإعلامي، بل أصبح جزءاً من شبكة تأثير تعيد توجيه مسار الحرب كلما اقتربت من أي محاولة للتهدئة.

ومن هنا، فإن فكرة الحسم العسكري الكامل تتراجع أمام واقع أكثر تعقيداً، حيث لا ينتج النصر عن الإقصاء، بل عن إعادة تشكيل معادلات لا تسمح بالانهيار الكامل لأي طرف، ما يجعل الاستنزاف الطويل هو النتيجة الأكثر احتمالاً.

وفي المقابل، فإن الاعتماد على المجتمع المدني كقوة ضغط قد يدفع نحو مسارات أكثر إلزاماً، ليس كخيار أول، بل كنتيجة لتأخر الوصول إلى تسوية داخلية.

وفي هذا السياق، تصبح المسؤولية المباشرة على عاتق طرفي النزاع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، إذ لم يعد استمرار القتال قابلاً للتبرير أمام حجم الكلفة الإنسانية والسياسية.

إن الجيش والدعم السريع، بوصفهما الفاعلين الأساسيين على الأرض، يتحملان المسؤولية التاريخية في وقف هذه الحرب فوراً، ليس كتنازل لطرف مقابل، بل كقرار إنقاذ للدولة نفسها ومنع انهيارها الكامل.

فوقف إطلاق النار لم يعد خياراً تفاوضياً مؤجلاً، بل ضرورة عاجلة يجب أن تسبق أي حسابات سياسية أو عسكرية أخرى، لأن استمرار الحرب يعني عملياً فقدان القدرة على التحكم في مسارها أو نتائجها.

وفي النهاية، لم تعد الحرب قابلة للقراءة كصراع بين طرفين فقط، بل كعملية طويلة تعيد تشكيل الدولة نفسها، وتسمح ببقاء قوى تستفيد من استمرارها، بينما يدفع المجتمع الثمن الأكبر.

لذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في من يربح المعركة، بل في من يملك الشجاعة لإيقاف الحرب قبل أن تتحول إلى نظام قائم بذاته، يعيد تشكيل نفسه كلما اقترب من نهايته.

وسيظل الاختبار الحقيقي ليس في تحقيق النصر العسكري، بل في القدرة على وقف الحرب وإنهاء استمرارها قبل أن تتحول إلى واقع دائم يهدد الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!