
د. خالد تارس
في مشهد سياسي ملهم أطل رئيس مجلس وزراء حكومة السلام محمد حسن التعايشي، بخطاب تاريخي غير مسبوق، إذ حمّل بين طياته ملامح سودان جديد يتشكل على أنقاض دولة ما بعد الاستقلال، او ما يسمى بدولة(٥٦).. تلك الدولة التي ارتبطت في ذاكرة الأجيال بالظلم المؤسسي وتعطيل عجلة التنمية وإنتاج أزمات متلاحقة أنهكت البلاد ومزقت أوصالها.
لم يقدّم التعايشي خطاباً تقليدياً، بل وضع أمام الملايين خريطة طريق تستمد شرعيتها من نضالات الشعوب وإرادة الحرية التي فاضت بها ميادين الثورة وسقط لأجلها آلاف الشهداء. فقد أكد التعايشي أن حكومته جاءت بأولويات كبرى في عام السلام هذا، أولويات تتقدمها قضايا الأمن وصيانة كرامة المواطنين وعزتهم، وهو ما يُترجم عملياً في سن تشريعات جديدة للشرطة والأمن والنيابة العامة، هذه التشريعات مستندة إلى ميثاق ودستور السودان التأسيسي، وهي خطوات تُبشّر بتحول (عميق) في البنية القانونية للدولة الجديدة، بحيث تصبح العدالة وسيادة القانون هي الحارس الفعلي لحقوق الناس.
لم يكتف التعايشي بالحديث عن الإصلاح المؤسسي فحسب، بل شدّد على أولوية توفير الخدمات الأساسية للمواطن، باعتبارها بوابة الحقوق والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، وفي هذا السياق برزت دعوة الرجل صراحةً لمحاربة (الإرهاب) عبر تشريعات صارمة وحاسمة، تهدف إلى عزل الجماعات التي استغلت أرض السودان منصةً للأنشطة العابرة للحدود وتهديد الجوار الإقليمي، ما يجعلها في عزلة دولية تامة.
أما الفساد الإداري والاجتماعي الذي نهش جسد الدولة السودانية عقودًا طويلة، فقد تعهّد التعايشي باجتثاث جذوره من مواقع المسؤولية الأخلاقية، في إشارة إلى أن معركة الإصلاح لا تكتمل من دون مواجهة صريحة مع منظومات الفساد في الدولة العميقة، وبجانب ذلك حذّر رئيس حكومةً تأسيس من خطورة خطاب الكراهية الذي تسرّب إلى وجدان المجتمع السوداني، وشتت شمله وهدّد وحدته الوطنية، داعياً إلى مواجهته بوعي سياسي وثقافي يرسّخ قيم التعايش والسلام الدائم.
إن خطاب محمد التعايشي يعكس إرادة سياسية جديدة، تتجاوز إخفاقات الماضي وتسعى بكل جراءه إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوداني على أسس حديثة من الحرية والديمقراطية، ومتى ما تحولت هذه الرؤى إلى سياسات ملموسة، فإن السودان سيكون على موعد مع نهضة حقيقية تُعيد الإعتبار للمواطن المسكين وتضعه في قلب العملية الوطنية، هو وعدٌ صدوق بأن فجراً جديداً يلوح في الأفق، وأن شعباً (صبوراً)..قدّم أثمن التضحيات ويستحق أن يحصد ثمار صبره دولةً عادلة قوية وموحَّدة، تفتح أبواب الغد بكل ثقة وأمل.




