رأي

رسالة في بريد التعايشي!!

علي أحمد

علي أحمد

قدّم رئيس وزراء حكومة (تأسيس)، محمد حسن التعايشي، في أول خطاب جماهيري له أمس بمدينة نيالا، تصورًا أوليًا لبرنامج السلطة التنفيذية الجديدة: أمنٌ يصون الكرامة، وإصلاحٌ قانوني يستند إلى دستور 2025، مع وعودٍ بخدمة عامة عادلة، ومكافحة الفساد والإرهاب وخطاب الكراهية.

هذا الطرح يمنح الحكومة سردية “إعادة بناء الدولة”، لكنه يضعها في مواجهة مباشرة مع اختبار الجدية والقدرة.

ترتكز الشرعية هنا على ميثاق تحالف تأسيس والدستور الانتقالي. غير أن الشرعية المعيارية شيء، والشرعية العملية شيء آخر: الأولى تُصاغ بالوثائق، أما الثانية فتُكتسب بتوحيد القرار الأمني واحتكار العنف المشروع.

إن ظهور قادة عسكريين وسياسيين معًا على المنصة يوحي بجبهة عريضة، لكنه لا يكفل بالضرورة اندماج سلاسل القيادة ولا إنهاء ازدواجية السلاح. ومن ثم يبقى الهدف الحقيقي هو تحقيق هذا الاندماج والسلاسة، وخلق تناغم قيادي يعمل بروح الجماعة “على قلب رجل واحد”، ويوحّد احتكار العنف المشروع بيد السلطة.

وعد التعايشي بإصدار قوانين جديدة للشرطة والأمن والنيابة، إضافة إلى قانون مكافحة الإرهاب، يمكن أن يفتح الباب لإصلاح عميق، شرط أن يقترن بآليات رقابة برلمانية وقضائية صارمة وضمانات واضحة للحقوق والحريات. وفي هذا السياق، فإن بناء الثقة المجتمعية يتطلب إجراءات أمنية قوية ومتوازنة، تكفل ضبط الأمن بحزم مع صون حريات المواطنين وكرامتهم وحقوق الإنسان بصورة عامة.

اقتصاديًا، تحدّث التعايشي عن “حوكمة الإيرادات” وإعادة توزيع الموارد على قاعدة المساواة الكاملة. وهذا لا يتحقق إلا عبر موازنة موحّدة، ومجلس مستقل للإيرادات، يُغلق منافذ الجبايات الموازية، ويكافح الفساد عبر نشر تقارير دورية عن التحصيل والإنفاق، وإلزامية إقرارات الذمة، ومناقصات مفتوحة خاضعة للتدقيق العام. وإلا ستظل لغة “الخدمة” مجرد شعار في اقتصاد حرب تستنزفه الشبكات الخاصة.

سياسيًا، يوحي الحضور المشترك لعبد العزيز الحلو والهادي إدريس بمحاولة صياغة مركز قرار جديد يتجاوز ثنائية *المركز والهامش* التقليدية. غير أن التأسيس الحقيقي يتطلّب عقدًا اجتماعيًا أوسع، يضم القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، بجدول زمني واضح للانتقال، ومسارٍ جاد للعدالة الانتقالية لا يساوم على الحقوق. وهذا التحدي يقع بالأساس على عاتق السلطة الجديدة ورئيسها.

الخلاصة: تقف حكومة تأسيس أمام فرصة لإعادة تعريف الدولة بوصفها منفعة عامة لا غنيمة. مفاتيح العبور ثلاثة: أمن خاضع للمحاسبة الصارمة، قانون مقيّد بالحقوق، وموارد تُدار بشفافية. إن تحقق ذلك، فإن مشهد نيالا سيُقرأ كبداية حقيقية لتأسيس الدولة السودانية الموحّدة والقوية.

*مع خالص أمنياتنا بالنجاح والتوفيق*.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!