رأي

حين يُحاكم القضاء السياسة: قراءة قانونية في حكم محكمة مكافحة الإرهاب بحق الفريق أول محمد حمدان دقلو

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني المحامي

ليس من وظيفة القضاء أن ينتصر لطرف سياسي أو عسكري، وإنما أن ينتصر للقانون وحده. فالعدالة لا تُقاس بقسوة العقوبات، ولا بعدد أحكام الإعدام، وإنما تُقاس بسلامة الاختصاص، وصحة الإجراءات، واحترام حقوق الدفاع، والالتزام بالمبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية. ومن هذا المنطلق، يثير الحكم الصادر عن محكمة مكافحة الإرهاب ببورتسودان بتاريخ 12 يوليو 2026 بحق الفريق أول محمد حمدان دقلو وثلاثة عشر آخرين جملة من الإشكالات القانونية التي تستوجب الوقوف عندها بعيداً عن الاصطفافات السياسية.

فقد قضت المحكمة غيابياً بإدانة المتهمين تحت المواد (86)، و(87)، و(88)، و(89)، و(191) من القانون الجنائي السوداني، وحكمت على كل منهم بالإعدام شنقاً حتى الموت، كما أمرت بمصادرة أموال وممتلكات قوات الدعم السريع، ووجهت بمخاطبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم.

غير أن السؤال القانوني الجوهري يبقى: هل صدر هذا الحكم وفقاً لأحكام القانون السوداني والقانون الدولي، أم أنه شابه ما يؤثر في سلامته القانونية؟

أولاً: هل تملك محكمة مكافحة الإرهاب ولاية محاكمة قوات الدعم السريع؟

قبل مناقشة الوقائع أو العقوبات، يسبقها سؤال أكثر أهمية يتعلق بالاختصاص، لأن الاختصاص هو أساس صحة أي محاكمة، وإذا انتفى الاختصاص بطل ما بني عليه من إجراءات وأحكام.

ويستند اختصاص محكمة مكافحة الإرهاب إلى قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001، الذي عرّف في المادة (2) المنظمة الإرهابية بأنها:

“كل جمعية أو هيئة أو جماعة أو عصابة تتألف من ثلاثة أشخاص أو أكثر، وتكونت لأي فترة من الزمن، وتعمل بصورة متضافرة بقصد ارتكاب أعمال إرهابية داخل السودان أو خارجه.

ومن الناحية القانونية، فإن هذا التعريف لا ينطبق على قوات الدعم السريع، لأنها لم تنشأ باعتبارها جماعة أو تنظيماً غير مشروع، وإنما تأسست بموجب قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017 الذي أجازه المجلس الوطني باعتبارها قوة نظامية مساندة للقوات المسلحة.

كما أن البرهان، بصفته قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد ثورة ديسمبر، قام بإلغاء المادة الخامسة من قانون الدعم السريع، وهو ما جعل هذه القوات قوات نظامية مستقلة وليست تنظيماً سرياً أو جماعة إرهابية حتى تخضع لقانون مكافحة الإرهاب.

وبالتالي، فإن محاكمة قادة قوات الدعم السريع أمام محكمة مكافحة الإرهاب تثير إشكالية قانونية تتعلق بغياب الاختصاص النوعي للمحكمة.

كما أن الحكم بمصادرة أموال وممتلكات قوات الدعم السريع تأسس على وصف قانوني محل نزاع، إذ إن المصادرة جاءت باعتبارها منظمة إرهابية، بينما لا تنطبق عليها المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب بحسب هذا التحليل القانوني.

ويعزز ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصنف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، الأمر الذي يثير تساؤلاً إضافياً حول مدى سلامة التكييف القانوني الذي بُني عليه الحكم.

ثانياً: المحاكمة الغيابية ومخالفة قانون الإجراءات الجنائية

الإشكال الثاني يتعلق بطريقة المحاكمة.

فقد تمت المحاكمة غيابياً، بينما تنظم المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 ضوابط دقيقة للمحاكمات الغيابية.

وقد أوجبت هذه المادة على المحكمة، قبل السير في المحاكمة، إعلان المتهم إعلاناً قانونياً صحيحاً وفق الإجراءات المنصوص عليها في القانون، حتى يتحقق علمه بالدعوى ويُمنح فرصة الحضور والدفاع عن نفسه.

ولم تستوف المحكمة هذه الإجراءات، الأمر الذي يجعل المحاكمة الغيابية مخالفة لنص المادة (134)، ويؤثر في سلامة الحكم من الناحية القانونية.

ثالثاً: مخالفة المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية

لا يقف الأمر عند حدود التشريع الوطني، بل يمتد إلى الالتزامات الدولية للسودان.

فالمادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 تقرر حق كل متهم في:

أن يحاكم حضورياً.

أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.

أن يوكل محامياً يختاره.

أن يحصل على محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع ضمانات العدالة.

وتمت المحاكمة الغيابية دون توافر هذه الضمانات الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى توافق الحكم مع الالتزامات الدولية للسودان ومعايير المحاكمة العادلة التي أقرها العهد الدولي.

رابعاً: هل حافظت المحكمة على مبدأ قرينة البراءة؟

من المبادئ المستقرة في جميع الأنظمة القانونية أن:

“المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي

غير أن الحكم شهد استخدام القاضي لعبارة “مجرم حرب” في معرض حديثه عن المتهم الأول قبل اكتمال المراحل النهائية للتقاضي.

وكان القاضي ملزماً بإيراد أسباب الحكم، ومناقشة أركان الجرائم المنسوبة لكل متهم على حدة، وبيان الأدلة التي استند إليها، ثم إصدار الحكم.

أما وصف المتهم بأنه “مجرم حرب” قبل أن يصبح الحكم نهائياً، فيُعد تجاوزاً لمبدأ قرينة البراءة، لأن الشخص لا يكتسب وصف “المجرم” إلا بعد صدور حكم نهائي مكتسب للحجية.

كما أن إطلاق هذا الوصف أثناء نظر الدعوى قد يمس مبدأ الحياد القضائي، الذي يُعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة.

خامساً: هل يلتزم الإنتربول بتنفيذ قرار المحكمة؟

ومن أبرز ما ورد في الحكم توجيه المحكمة بمخاطبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لإلقاء القبض على المحكوم عليهم.

غير أن هذا التوجيه يثير عدة ملاحظات قانونية.

فالمادة (3) من دستور الإنتربول تمنع المنظمة من التدخل في القضايا ذات الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العنصري.

كما أن النشرة الحمراء ليست أمراً دولياً بالقبض، وليست حكماً دولياً، وإنما مجرد طلب تعاون شرطي يصدر عن جهة قضائية وطنية.

وتخضع هذه الطلبات لمراجعة قانونية دقيقة داخل الإنتربول، الذي يفحص مدى توافقها مع دستوره، ومع المعايير الدولية، وعلى رأسها احترام المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة.

فإذا تبين للإنتربول أن الطلب ذو دوافع سياسية، أو أن المحاكمة افتقرت إلى الضمانات الأساسية، فإنه يملك رفض الطلب وعدم نشر النشرة الحمراء.

وليس ذلك أمراً نظرياً، بل حدث عملياً في القضية الشهيرة الخاصة برجل الأعمال والناشط السياسي البريطاني بيل براودر، عندما تقدمت الحكومة الروسية بعدة طلبات إلى الإنتربول لإلقاء القبض عليه، إلا أن المنظمة رفضت تلك الطلبات وألغتها بعدما رأت أنها ذات طابع سياسي ولا تستوفي المعايير المطلوبة.

ومن ثم فإن طلب محكمة بورتسودان قد يواجه المراجعة القانونية ذاتها داخل الإنتربول، الذي لا يلتزم تلقائياً بتنفيذ كل طلب يرد إليه من المحاكم الوطنية.

العدالة ليست حكماً… بل منظومة متكاملة

إن هيبة القضاء لا تُبنى بإصدار أحكام الإعدام، وإنما تُبنى بالالتزام الصارم بالقانون.

فالاختصاص الصحيح، والمحاكمة العادلة، وحق الدفاع، وحياد القاضي، واحترام قرينة البراءة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، هي الأعمدة التي تقوم عليها العدالة.

ولهذا فإن أي حكم، مهما بلغت شدته، يظل عرضة للنقاش القانوني إذا ثارت حوله تساؤلات تتعلق بالاختصاص أو الإجراءات أو الضمانات الأساسية.

والقضاء الذي يطمح إلى اكتساب الاحترام داخلياً ودولياً، لا يكفيه أن يصدر الأحكام، وإنما يجب أن يبرهن في كل مرحلة من مراحل التقاضي أنه يطبق القانون مجرداً، بعيداً عن الاعتبارات السياسية، لأن العدالة الحقيقية لا تتحقق بكثرة الأحكام، بل تتحقق حين يكون القانون هو السيد الوحيد داخل قاعة المحكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!