رأي

شرعية الحرب وشرعية السلام

علي أحمد

تعيش الساحة السودانية لحظة فارقة، حيث تتجسد أمامنا تجربتان متناقضتان في الرؤية والطرح السياسي. فمن جهة، نرى حكومة بورتسودان التي لم تستطع حتى الآن بلورة أي خطة وطنية متماسكة لإدارة البلاد، مكتفية بخطاب شعاراتي يعيد إنتاج ذهنية الإخوان المسلمين في نسختها الاستئصالية، ومن جهة أخرى، تظهر حكومة “تأسيس” التي حاولت، على الأقل، أن تقدم نفسها ببرنامج سياسي واضح المعالم وخطاب أقرب إلى الواقعية والعقلانية.

ما يميز خطاب بورتسودان أنه غارق في فكرة الانتقام من قوات الدعم السريع وحلفائها المدنيين. كل جهدها ينصرف إلى تأكيد “العداء” لا إلى البحث عن حلول واقعية لمستقبل الدولة. وبذلك تعيد إنتاج نمط قديم مأزوم عايشه السودانيون لعقود، حيث تتحول الدولة إلى أداة إقصاء، والشعارات إلى بديل عن السياسات. الخطاب الذي يخرج من بورتسودان اليوم لا يعكس أي مشروع اقتصادي أو اجتماعي أو حتى سياسي سوى الرغبة في تصفية الخصوم، وهو ما يجعلها تبدو وكأنها تعيش حالة من التخبط والعجز الفكري.

في المقابل، تقدم حكومة “تأسيس” نفسها بقدر من التنظيم والانضباط السياسي. فقد حددت هياكلها، وأعلنت أسماء قياداتها، واعتمدت برنامجًا يقوم على وقف الحروب والحفاظ على وحدة السودان، كما جاء على لسان رئيس المجلس الرئاسي محمد حمدان دقلو (حميدتي) عقب أداء اليمين الدستورية. هذه الرؤية، مهما كان الجدل حولها، تطرح إطارًا عامًا للنقاش السياسي، وتبعث برسالة مفادها أن هناك تصورًا لإدارة المرحلة الانتقالية، يشارك فيه طيف واسع من القوى المسلحة والمدنية.

الفارق بين التجربتين لا يقتصر على الشكل، بل يمتد إلى الجوهر. ففي حين تنكفئ بورتسودان على خطاب الماضي وتعيد إنتاج الهوس الأيديولوجي، تسعى “تأسيس” إلى تسويق نفسها كحكومة بديلة تحمل تصورًا عمليًا. وربما لهذا بدت مقبولة نسبيًا في نظر قطاعات من الرأي العام، خاصة إذا قورنت بالفراغ الذي تتركه بورتسودان.

هذا لا يعني أن “تأسيس” خالية من التحديات أو التناقضات، لكن المقارنة تكشف بوضوح أن هناك طرفًا يحاول أن يتكلم لغة الدولة الحديثة ولو في حدود دنيا، وطرفًا آخر لا يزال أسير معجم الثأر والتعبئة الشعاراتية. ومن هنا تتجلى المعضلة السودانية الراهنة: أي السودان نريد؟ سودان الرؤية والخطط، أم سودان التخبط والشعارات.
سودان السلام أم سودان الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!