رأي

متى ندرك الفرق؟

عبدالرحمن العمرابي

في أحد أفلامه القصيرة، طرح د. لؤي الشريف أسئلةً عميقة تكاد تُلخّص مأزق الإنسان السوداني، العربي والإفريقي على السواء:
متى ندرك الفرق بين من يحكم البلد وكيف يُحكم البلد؟
متى نعي الفرق بين الدولة والوطن؟
ومتى نتعلم الفرق بين الاختلاف والخلاف؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً ذهنياً، بل مفاتيح لبابٍ ظلّ مغلقاً في وجه السودان لعقود طويلة. لقد عشنا زمناً في أسر “من يحكم”، وكأن تاريخنا كله معركة على الكرسي لا على الكيفية التي يُدار بها ذلك الكرسي. سقطت حكومات وتعاقبت أنظمة وارتفعت شعارات، لكننا نادراً ما سألنا: هل الحكم غاية في ذاته أم وسيلة لكرامة الإنسان وازدهار الوطن؟ جوهر المأساة لم يكن في هوية الحاكم بقدر ما كان في غياب عقدٍ عادل يحدد كيف يُحكم الناس، وكيف تُوزّع السلطة والثروة، وكيف تُبنى المؤسسات وتُحاسَب.
وكذلك ظلّ الخلط بين “الدولة” و“الوطن” سبباً في أزماتٍ متلاحقة. الوطن هو الإنسان والأرض والذاكرة واللغة والأمل؛ أما الدولة فهي الجهاز الذي يُنظّم حياة هذا الوطن ويخدمه. وحين تختطف الدولة لتُسخَّر لفئةٍ أو حزبٍ أو مركزٍ ضد هامش، يصبح الوطن كله مهدداً بالتشظي. دفع السودان أثماناً باهظة لأن الدولة تحوّلت إلى غنيمة، فصار الوطن نفسه مشاعاً للنهب والاقتتال.
أما الفرق بين “الاختلاف” و“الخلاف” فذلك جرحنا اليومي. الاختلاف سُنّة الحياة وشرط الثراء، لكننا اعتدنا أن ينقلب إلى خلاف، ثم إلى خصومة وجودية، ثم إلى حربٍ تُراكم كراهيةً مستدامة تتغذّى من خطابات اللوم والشيطنة والاتهام الإثني والمناطقي. لم نتعلم بعد أن الاختلاف قوة إذا أحسنّا تنظيمه، وأن الحوار أوسع من ثنائية “مع أو ضد”.
لسنا مجرد ضحايا سياسات، نحن أيضاً أسرى أنماطٍ نفسية تشكّلت من تاريخٍ طويل من القهر والخذلان:
•عقدة الزعيم المُخلِّص: نبحث عن أبٍ صارم يخلّصنا اليوم، فننسى أن الخلاص الحقيقي في قواعد تُخضع حتى “الأب” للمساءلة. نُبدّل الوجوه ونبقي البنية على ما هي عليه.
•عقدة المركز والهامش: نخاف من عدالة التوزيع كأنها خصمٌ لوجودنا، فنؤبّد شحّ الثقة بين الأطراف. ننسى أن العدالة توسيعٌ للكعكة لا تقاسمٌ للجوع وحين يثور الهامش علي المركز ينتهي ببناء مركز من الهامش وتستمر الدائره.
•متلازمة الضحية والجلاد: نتدثّر بذاكرة الأذى لنتهرّب من مسؤولية الحاضر؛ ونُسقِط كل فشلٍ على “الآخر”. الإنكار والإسقاط والتبرير آليات دفاعٍ نفسية تصبح، حين تعلو على الحقيقة، سياسة عامة وهنا لم يسقط المركز وحده بل سقط الهامش معه وسادت احلام البرجوازيه الصغري.
•المثالية القاتلة: نؤجل الإصلاح لأن الحل الكامل لم يأتِ بعد. نريد دستوراً مثالياً نعلنه ولا نتبعه قبل مدرسةٍ آمنة، وحوكمةً ملائكية نشوهها بالمحاصصة قبل ميزانيةٍ مُعللة وشفافة.
التحرر من هذه العقد لا يكون بالوعظ الأخلاقي وحده، بل ببناء مسارات سلوك جديدة: قواعد واضحة، شفافية قابلة للقياس، ومؤسسات تحمي الضعفاء من تقلبات المزاج السياسي.
من يحكم وكيف يحكم؟ سؤال “من” يوقظ غرائز العصبية، وسؤال “كيف” يوقظ ملكات العقل. الانتقال من الأول إلى الثاني هو انتقالٌ من سياسة الأشخاص إلى هندسة القواعد:
•حكمٌ محدود بالزمن لا بالنيات.
•ميزانياتٌ مُعلَّلة منشورة، ومناقصاتٌ تُعرف نتائجها قبل أن تُرى مبانيها.
•قضاءٌ مستقل يحمي المواطن قبل السلطة.
•أجهزة أمنٍ لحماية المجتمع لا حماية الحاكم.
•إدارةٌ عامة تُكافئ الخدمة لا الولاء.
هكذا نُبدِّل سؤال الولاء بسؤال الأداء، ونحوّل السياسة من حلبةٍ للغلبة إلى نظام خدمةٍ عمومية.
الدولة جهازٌ يمكن إعادة تركيبه؛ الوطن نسيجٌ إن تمزق صَعُب رتقه. ولذلك فكل إصلاحٍ مؤسسي ينبغي أن يسبقه ترميم وجداني: اعترافٌ بالآلام المتبادلة، وتسميةٌ صريحة لما جرى، ومسار عدالةٍ يَسمع قبل أن يحكم.
الوطن ليس العاصمة وحدها. الوطن لغاتٌ وأزياءٌ وأنهار، وحقول في القضارف، وجبال في الشرق والغرب، ومسيدٌ في الشمال، وسوقٌ في الجنوب. حين تُساوي الدولة بين هذه الصور جميعاً، ينكمش شعور الحرمان، ويتسع معنى الانتماء.
الاختلاف إدارةٌ للتمايز؛ الخلاف إلغاءٌ للآخر. لكي لا يتحوّل التنوع إلى وقود حربٍ جديدة، نحتاج إلى ثقافة تنظِّم الكلام قبل أن تنظّم السلاح:
•قواعد تناظر عام: لا شيطنة، لا تعميم إثني، لا تخوين.
•حق الاختلاف في المناهج والإعلام دون عقابٍ اجتماعي.
•أحزابٌ تتنافس بالبرامج لا بالشعارات، ونقاباتٌ تحمي المهنة لا الولاء.
بهذه الأدوات يصبح الخلاف مجرد محطةٍ عابرة في طريقٍ أطول اسمه “المصلحة العامة”.
إعادة البناء ليست إسمنتاً وحديداً فقط، بل إعادة تأهيل نفسي جماعي:
•دوائر اعترافٍ محلية (سردٌ للذاكرة لا للثأر).
•أيام وطنية للتذكّر والتعلّم، لا للاحتفال الأجوف.
•مناهج مدنية تُعلِّم الطفل الفرق بين الحق والقوة، وبين القانون والهوى.
•إعلامٌ يَعرض الاختلافات بفضولٍ معرفي لا بحدّة الاستقطاب.
•لغةٌ عامة تُفضِّل “نحن” على “هم”، و“ما نفعله” على “من نحن”.
هذه ليست رومانسية؛ إنها بروتوكولات شفاء إنساني تُقلّص اللجوء إلى العنف وتُخفض حرارة السياسة.
لكي لا يبقى الكلام معلقاً في الهواء، دعونا نربط الوجدان بالإنجاز اليومي:
1.نشرٌ مُسبق ومفهوم لكل عقدٍ عام وموازنةٍ محلية.
2.تكليفاتٌ زمنية للوزارات تُقاس بنتائجٍ معلنة.
3.قضاءٌ اقتصادي سريع للنزاعات الصغيرة يُعيد الثقة للسوق.
4.شرطةٌ مجتمعية تُقيِّمها الأحياء، لا المكاتب.
5.تعليمٌ أساسي مجّاني فعلاً، مع حزمة غذاء مدرسي تحفظ كرامة الطفل.
6.مجالس محلية منتخبة بسلطاتٍ مالية واضحة تكسر مركزية الفشل.
هذه “تفاصيل تقنية” ظاهرياً، لكنها في الحقيقة مفاتيح وجدان: حين يرى المواطن أثراً ملموساً لحقّه، تنحسر حاجته للصراخ أو السلاح.
الماضي كان مُراً، نعم. لكن المستقبل لا يُبنى باللعنات ولا بالهروب من الأسئلة الكبرى. السودان بحاجةٍ إلى وعيٍ جديد يُعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والوطن، وبين الاختلاف والخلاف. إن إدراك هذه الفوارق هو المدخل الحقيقي للسلام والحرية والعدالة. وإلا سنظل ندور في الحلقة الجهنمية نفسها: سقوط نظامٍ يعقبه نظامٌ آخر، ولا شيء يتبدّل سوى وجوه اللاعبين.
السودان يستحق أكثر من ذلك. يستحق أن يكون وطناً لا مجرد دولة، وحلماً لا ساحة صراع. وكل خطوةٍ نحو “كيف يُحكم” تُقرّبنا من وطنٍ نَسكنه ويَسكننا.
وبين الريد والهوي بحبك يا وطن.

*عضو تجمع السودانيين المستقلين

وعضو مستقل مؤسس في تحالف تأسيس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!