رأي

هنادي فضل ومأزق وعي الحزب الشيوعي السوداني

مها طبيق

أثارت تصريحات هنادي فضل ، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ، إستنكارا واسعًا بعدما استعادت روايات عائلية غامضة تربط بين الثورة المهدية وحوادث اغتصاب مزعومة وربطها بغرب السودان . هذا الخلط بين الذاكرة الخاصة والقراءة السياسية لا يساعد على بناء وعي جماعي يقود شعوب السودان إلي الوحدة الوطنية ، أن العنصرية وإعلاء خطاب الكراهية والعنصرية دفع السودانيون ثمنه طويلًا وينبغي ألا يصدر من النخب التي تعتبر نفسها صفوة وقدوة للمجتمع .

التاريخ في جوهره مصدر للتعلم ، والثورة المهدية ، رغم ما رافقها من أخطاء ، كانت حركة ثوار ومقاومة ضد الاستعمار الأجنبي . فاختزالها في مشهد اغتصاب جماعي يغذي الانقسام ولا يضيف شيئًا للحقيقة . وعندما يُستدعى التاريخ بهذه الطريقة المشوهة ، تتحول الذاكرة الشعبية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الصور النمطية بدلًا من أن تكون رافعة للنقد البنّاء .

أما الحزب الشيوعي السوداني ، الذي قدّم نفسه طويلًا كحزب وطني تقدمي ، فيواجه اليوم مأزقًا أخلاقيًا وفكريًا ، حيث نرى بعض قياداته يتجاهلون جرائم الإسلاميين الموثقة ـ مثل استخدام السلاح الكيميائي ـ وهناك آخرون يختارون استدعاء روايات مشوَّهة من الماضي لتبرير مواقف آنية . هذا التناقض يكشف غياب البوصلة الفكرية، ويثير الشكوك حول قدرة الحزب على تمثيل مشروع وطني جامع .

خطورة خطاب هنادي فضل ترسم صورة مشوهة عن إنسان الهامش ، وهو ضحية سياسات النخب يمينا ويسارا . لذلك يعيد هذا الطرح إنتاج نظرة دونية مرفوضة أخلاقيًا ويعكس أزمة في وعي النخبة المعارضة التي يُفترض أن تدافع عن قيم العدالة والإنصاف لا أن تعيد إنتاج التمييز .

وما يحتاجه السودان اليوم قراءة نقدية للتاريخ تقوم على الوثائق والأدلة ، وتُوظَّف لبناء مشروع وطني مشترك . فالتاريخ ملك للشعب كله ، ولا يجوز تحويله إلى أداة لتصفية الحسابات أو تبرير خطاب عنصري .

في النهاية، ما قالته هنادي فضل لم يكن تعبيرًا عن وعي نقدي بقدر ما كان انعكاسًا لمأزق حزب فقد قدرته على إنتاج خطاب تقدمي . الرد الحقيقي لا يكون بالانفعال ، وإنما بإعادة تأسيس خطاب سياسي جديد يقوم على الحقيقة ، والعدالة ، والمواطنة . فالسودان اليوم بحاجة إلى وعي يحرر التاريخ من التوظيف السياسي ، ويحوّله إلى منصة لبناء المستقبل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!