ارفعوا أيديكم عن السودان: لماذا أصبح إخراج مصر من الرباعية شرطاً لإنقاذ السلام من الانهيار
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
🔴 الوساطة ليست مجاملة سياسية ولا امتيازاً إقليمياً بل مسؤولية أخلاقية لا تحتمل الانحياز
تُقدَّم المبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، باعتبارها أحد المسارات المطروحة لوقف الحرب في السودان وفتح أفق سياسي جديد. غير أن التجربة السودانية، المليئة بالخذلان والتدخلات، تؤكد حقيقة جوهرية لا يمكن القفز فوقها: لا وساطة بلا حياد، ولا سلام مع طرف منحاز. فالوسيط لا يُقاس بقربه الجغرافي ولا بثقل علاقاته، بل بقدرته على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وباستعداده للاعتراف بجذور الأزمة لا الاكتفاء بإدارة أعراضها. ومن هذا المنطلق، يصبح وجود مصر داخل المبادرة الرباعية عائقاً حقيقياً أمام أي مسار جاد نحو السلام، لا لاعتبارات عاطفية أو تاريخية، بل لأسباب سياسية وأخلاقية واضحة.
🔴 من دعم الانقلاب إلى تبرير الحرب: سجل سياسي ينزع عن القاهرة صفة الحياد
لم يكن الموقف المصري من الأزمة السودانية وليد لحظة الحرب، بل امتداداً مباشراً لدور سابق أسهم في تقويض الانتقال الديمقراطي. فقد دعمت القاهرة انقلاب 25 أكتوبر 2021 سياسياً وإقليمياً، ووفّرت له غطاءً صريحاً، في وقت كان فيه السودانيون يحاولون، رغم الصعوبات، بناء مسار مدني يجنّب البلاد الانفجار. وحين أُجهض ذلك المسار، وانهارت الشراكة المدنية العسكرية، تُرك السودان مكشوفاً أمام العنف. إن من شارك في هدم الأساس المدني لا يمكن أن يُمنح لاحقاً دور “الوسيط المحايد”، لأن الحياد لا يُولد بعد التورط، بل يسبقه.
🔴 رواية أحادية للصراع تتجاهل جذور الأزمة وتبرّئ العسكر من مسؤوليتهم
في خطابها الرسمي، تبنّت مصر رواية تبسيطية للصراع، تُصوّره مواجهة بين “جيش الدولة” و”قوة خارجة عن القانون”، متجاهلة السياق الكامل للأزمة، ومسؤولية القيادة العسكرية عن تفكيك العملية السياسية، وإغلاق المجال العام، وتغذية الاستقطاب الذي قاد إلى الحرب. هذه الرواية لا تعكس تعقيد الواقع السوداني، ولا تعترف بأن الأزمة أعمق من صراع مسلح، فهي أزمة دولة فشلت في بناء عقد اجتماعي عادل، وفي إخراج الجيش من السياسة. الوسيط الحقيقي لا يختار رواية طرف، ولا يمنحه براءة مسبقة، ولا يصمت عن الجرائم بدعوى “الاستقرار”.
🔴 الأمن قبل الديمقراطية: عقلية الوصاية التي تحكم السياسة المصرية تجاه السودان
تنطلق السياسة المصرية من رؤية أمنية تعتبر السودان “عمقاً استراتيجياً” يجب ضبطه، لا دولة ذات سيادة وشعب صاحب حق في تقرير مصيره. في هذه الرؤية، تُصوَّر الديمقراطية كمخاطرة، ويُختزل الاستقرار في استمرار الحكم العسكري، وتُنظر إلى القوى المدنية، خاصة القادمة من الهامش، باعتبارها عناصر إزعاج لا شركاء في بناء الدولة. هذه العقلية الوصائية تتناقض جذرياً مع تطلعات السودانيين الذين خرجوا بثورة واضحة المطالب: حرية، سلام، وعدالة. ومن يتعامل مع هذه المطالب كتهديد لا يمكن أن يكون وسيط سلام.
🔴 الخطوط الحمراء داخل دولة أخرى: دليل قاطع على غياب الحياد السياسي
الأكثر خطورة هو حديث القاهرة المتكرر عن “خطوط حمراء” تتعلق ببنية الجيش السوداني، وطبيعة الحكم، وحدود التغيير المقبول. إن مجرد رسم خطوط حمراء داخل دولة أخرى هو اعتراف صريح بغياب الحياد. فالوسيط لا يفرض سقوفاً مسبقة، ولا يحدد ما يجب أن يكون وما لا يجب، بل يسهّل عملية حوار وطني يقرّر فيها الشعب مستقبله بحرية. حين تتحول الوساطة إلى أداة لحماية نموذج حكم بعينه، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى تدخل سافر مرفوض.
🔴 أزمة مصداقية عميقة: لماذا تفشل أي مبادرة لا تحظى بثقة المدنيين والضحايا
نجاح أي مسار سلام مشروط بقبوله من القوى المدنية، ومن ضحايا الحرب، ومن الرأي العام الواسع. وهذه الثقة مفقودة على نحو واسع تجاه الدور المصري، بسبب سجل طويل من الانحياز للعسكر والتعامل مع السودان كملف أمني. لا يمكن بناء سلام فوق جماجم المدنيين، ولا تمرير تسوية تتجاهل العدالة، ولا فرض حلول تحمي توازنات إقليمية على حساب دماء السودانيين. إن بقاء مصر داخل الرباعية، بهذه الخلفية، يضعف المبادرة ويقوّض مصداقيتها منذ اللحظة الأولى.
🔴 قرار سوداني لا يقبل الوصاية: إخراج مصر من الرباعية كخطوة لإنقاذ السلام
الدعوة إلى إخراج مصر من المبادرة الرباعية لا تعني العداء للشعب المصري، ولا إنكار الروابط التاريخية بين الشعبين، بل هي دعوة لإعادة تعريف الأدوار وفق معايير واضحة. الوساطة ليست حقاً مكتسباً، بل مسؤولية مشروطة بالحياد. السودان تغيّر، ووعي شعبه تبدّل، ولم يعد يقبل أن تُدار قضاياه المصيرية من خارج حدوده أو وفق حسابات أنظمة تخشى الديمقراطية. إن أي سلام يُفرض عبر وسطاء منحازين هو سلام زائف. والسلام الحقيقي يبدأ حين يُعاد القرار إلى أصحابه: الشعب السوداني، بإرادته الحرة، ونضاله السياسي المشروع، وتمسكه بدولة مدنية ديمقراطية لا تميّز بين أبنائها.




