
اطلعت على المقال المنشور بموقع التنوير تحت عنوان التعايشي والجلابة: صراع السلطة والتاريخ والذاكرة الجريحة. ولعل أكثر ما يستوقف القارئ في هذا المقال ليس ما تضمنه من معطيات تاريخية، وإنما الطريقة التي تم بها ليّ عنق الوقائع لتغذية سردية أيديولوجية مأزومة، تستند إلى خطاب الهامش والمركز، لكنها تنقلب في جوهرها إلى دعوة مؤدلجة لتأجيج الكراهية القبلية والجهوية.
فالكاتب حين وصف الخليفة عبدالله التعايشي بأنه “حاكم جاء من الهامش”، فإنه في الحقيقة حرر التاريخ من سياقه جهلاً أو عمداً. فالتعايشي لم يكن ممثلاً للهامش في ذلك الزمان، بل كان هو المركز بعينه، باعتباره خليفة دولة رفعت شعار الدين والمهديّة، لكنها انحرفت عن دعواها الدينية الجامعة إلى ممارسة تكفير المخالفين واستباحة أموالهم وأعراضهم. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جرى لأهل المتمة، حيث لم يكن المستهدفون “الشمال النيلي” كما يحاول الكاتب تمريرها في خطه السردي، وإنما كانوا جماعة سودانية عُدّت خارج طاعة الخليفة. في ذات الوقت، كان من أبرز قادة الدولة المهدية أمراء من ذات الشمال، مثل الأمير عبدالرحمن النجومي والأمير علي ود حسن. فهل كان هؤلاء أيضاً “ممثلي الهامش”؟
الأخطر أن المقال تجاهل أحداثاً دامية في تاريخ المهديّة، لم تُصَب بها جهة واحدة، بل لحقت بمختلف القبائل، ومنها ما فعله الخليفة بقبيلة الرزيقات وزعيمها مادبو، وما جرى في مذبحة البطاحين، وفريق المشانق في أم درمان، ومذبحة الأشراف. كلها شواهد تاريخية على أن الضرر لم يكن “جهوياً” ولا “هامشياً”، بل كان تعبيراً عن سلطة مطلقة تتوسل الدين وسيلة للبقاء.
أما مقارنة الكاتب بين الدفتردار والتعايشي، فهي مقارنة مضللة. فمذبحة المتمة التي ارتكبها الخليفة ظلت عالقة في الذاكرة الجمعية، لا بسبب أصله القبلي أو الجهوي، بل بسبب طبيعتها: استباحة الأعراض وسبي النساء، وهو أمر يظل في المخيال السوداني أفظع وأثقل من سفك الدماء. بل إن الدفتردار، رغم وحشيته، لم يلجأ إلى ذلك. ومن هنا ظل الجرح مفتوحاً، ليس لأن التعايشي “من الهامش” كما يوحي المقال، بل لأنه ارتكب أفعالاً صادمة لقيم السودانيين نفسها.
التاريخ يخبرنا أيضاً أن الخليفة، حين هُزم في كرري، لم يجد سنداً ولا مقاومة في قلب عاصمته. لم يتحرك الناس للدفاع عن سلطته، بل على العكس، عمّت حالة من الارتياح واللامبالاة، إذ تحرر العبيد من أم درمان، وتنفّس الناس الصعداء بعد سنوات من القهر. هذه الحقائق وحدها تكفي لنزع السردية المضللة التي يحاول الكاتب إقحامها في حاضرنا، لتبرير خطاب الكراهية والانقسام.
إن معالجة أزمات السودان لا تكون عبر إعادة تدوير الماضي بأسلوب انتقائي، ولا عبر إلباس الصراع ثوب “الهامش” ضد “المركز”، بل عبر مواجهة الحقائق كما هي: أن الاستبداد أينما حلّ، وبأي لافتة جاء، دينية كانت أو جهوية، فهو خصم على وحدة السودان ومصالح أهله.




