
مؤيد الأمين
ليست الحرب في السودان حدثًا طارئًا أو خطأً في الحسابات، بل هي أداة حكم متكاملة في قاموس الإسلامويين (الكيزان). فكل سلطة جاءت بانقلاب، بلا صندوق اقتراع ولا تفويض شعبي، تحتاج إلى عدو لتبرير بقائها، وإلى معركة لتغطية عجزها، وإلى دماء تصنع منها شرعية زائفة.
هكذا تُصنع الحرب:
حين تسقط الشرعية، تُخترع المعركة.
منذ انقلاب عام 1989، لم يحكم الكيزان السودان بالبرنامج ولا بالكفاءة، بل بالحرب. بعد أسابيع قليلة من استيلائهم على السلطة، أُعيد إنتاج حرب الجنوب بوصفها قضية وجودية لا تُناقش ولا تُنتقد. كل من قال: أوقفوا الحرب، وُصم بالخيانة. كانت الرسالة واضحة: إما معنا في الحرب، أو ضد الوطن.
وعندما انتهت حرب الجنوب بانفصال كارثي، لم يتعلم الكيزان الدرس، بل أعادوا إنتاج الوصفة نفسها: عدو جديد، خطاب جديد، لكن الأكذوبة ذاتها.
في انقلاب 25 أكتوبر عاد السيناريو القديم بحذافيره. سلطة انقلابية بلا شرعية، بلا سند شعبي، بلا مشروع وطني. فماذا تفعل؟ تخلق حربًا، ثم تقول للشعب: نحن حماة الوطن، نحن جدار الكرامة، نحن من نواجه العدو الخارجي والتمرد الداخلي. وهكذا تتحول الحرب من مأساة إنسانية إلى أداة سياسية.
لماذا يحتاج الكيزان للحرب؟
لأن الحرب تمنحهم ثلاثة أشياء لا يستطيعون الحصول عليها في زمن السلم.
أولًا: شرعية زائفة.
بدل أن يُطرح سؤال: من فوضكم بالحكم؟ يصبح السؤال: هل أنت مع الجيش أم مع العدو؟ وتُدفن قضية الديمقراطية تحت ركام المعارك.
ثانيًا: قمع بلا مساءلة.
في زمن الحرب يُجرَّم صوت العقل. كل من يقول لا للحرب يُتَّهم بالخيانة والعمالة ودعم التمرد. هكذا تُغلق الصحف، وتُكمَّم الأفواه، ويُسحق المجتمع المدني باسم الأمن القومي.
ثالثًا: إخفاء الفشل.
فشل اقتصادي؟ السبب الحرب.
انهيار الخدمات؟ الظروف الأمنية.
فساد؟ لا وقت للمحاسبة، نحن في معركة مصيرية.
الحرب هنا ليست قدرًا، بل حيلة سياسية رخيصة.
وتتكرر الفرية نفسها منذ ثلاثين عامًا:
حتى نهزم التمرد.
حتى نطرد العدو الخارجي.
حتى نستعيد الكرامة.
لكن الحقيقة أن التمرد لا يُهزم لأنه يُصنع ويُغذّى، وأن العدو الخارجي مجرد شماعة، وأن الكرامة لا تُبنى بالبراميل ولا بالمدافع، بل بالعدالة والحرية وصوت الشعب.
كلما خمدت نار حرب، نفخوا فيها من جديد، لأن السلام يعني سؤالًا خطيرًا بالنسبة لهم: من يحكم السودان؟ وبأي شرعية؟ وهو سؤال لا يملكون له جوابًا.
الخلاصة
الكيزان لا يخافون من التمرد بقدر ما يخافون من السلام، لأن السلام يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي، ويعيد للشعب حقه في الاختيار، ويكشف عري السلطة الانقلابية.
لهذا يستمرون في إشعال الحروب، لا دفاعًا عن الوطن، بل دفاعًا عن كراسيهم.




