
منعم سليمان
مشهدان متناقضان ارتسما أمس في اللحظة نفسها: صورة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد يبكي فرحاً عند افتتاح سد النهضة، وصورة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يقف صامتاً على أنقاض محطة كهرباء المرخيات المدمّرة.
بين دمعة تفيض بالنور وخراب يغرق في الظلام يتجلّى الفرق بين البناء والهدم، بين الوفاء والخيانة، وبين قائد يزرع الأمل وآخر يستولد الكارثة!
ذرف آبي أحمد دموعه لا خجلاً ولا حزناً، بل غبطةً وفخراً، وهو يشهد سد النهضة يكتمل بعد أربعة عشر عاماً من الجهد والصبر والتحديات. كانت دموعه خلاصة مسيرة حفرت في الأرض ودقّت الصخر، حتى صار الحلم الإثيوبي ماءً وزرعاً وكهرباء وأملاً.
هناك ارتفع اسم إثيوبيا في سجلّ الأمم الطامحة إلى النهوض، وهي تخرج من الظلام إلى نور الكهرباء، ومن ظلمات التخلف إلى نور التنمية، ومن العطش إلى وفرة الزراعة، ومن الفقر إلى أفق الازدهار.
في المقابل، بدا المشهد في بلادنا صورةً معكوسة، كابوساً يبتلع الرجاء. حيث كان البرهان يقف على أطلال المرخيات وقد دمّرتها المسيّرات، شاهداً على عتمةٍ تُطبق على البلاد كما يلتهم الحريق الهشيم.
رجل انقلب على حكومة مدنية كانت تشقّ دروب التنمية والرفاه، فإذا به يفتح أبواب الحرب لا النهضة، والدمار لا العمران. فأزهق عشرات الآلاف من الأرواح، وتشرد نصف الشعب بين نازح ولاجئ، فيما يختنق النصف الآخر بالجوع والمرض والكيماوي!
هكذا، بينما خطّت إثيوبيا بدموع زعيمها أولى صفحات نهضتها، انقلبت نهضة السودان على يد قائد جيشه إلى مأساة دامية تطحن البشر والحجر معاً!
هناك دموع فرح، وهنا رماد خراب. هناك زعيم يخلّد اسمه ببناءٍ يشعّ نوراً، وهنا قائد عسكري خائن يجرّ وطنه إلى عتمة أبدية.
والفارق ليس في الموارد ولا في الجغرافيا، بل في الرؤية: رؤية تجعل السلطة جسراً لنهضة الأمة، وأخرى تجعلها أداةً للهيمنة وتمكين (الإخوان) ولو على جماجم الشعب!
إنّ سدّ النهضة ليس مشروعاً هندسياً فحسب، بل تجسيدٌ لإرادة أمة تجلّت في لحظة بكاء الزعيم أمام شعبه والعالم. أمّا محطة المرخيات المدمّرة فليست منشأةً كهربائية انهارت، بل شاهداً على وطنٍ أطفأته نزوات العسكر وفتن الإسلام السياسي فغرق في الظلام.
وهكذا يغدو المشهد مفترقاً بين دموع تبني ودماء تهدم؛ فالتاريخ يلعن من يجعل سلطته وبالاً على وطنه، ويخلّد من يحوّل طموحه مشعلاً للأمة.
وبين آبي أحمد والبرهان، كتب تاريخ شرق أفريقيا صفحة نهضة ووعد، وأخرى سقوط ومأساة!
في النهاية، لم يكن المشهد معبّراً عن حاضر إثيوبيا أو السودان فحسب، بل عن المفارقة بين رجل أجهش بالبكاء وهو يهب لشعبه نهراً من النور، ورجل غلّف بلاده بالدمار وزرع في دروبها قبوراً من ظلام!
*المجد لصانع النهضة وهو يهدي شعبه نوراً وحياة، والعار لهادم الوطن الذي أغرق أهله ظلاماً ومماتاً.*




