
عابدة مختار
حين تنتصر الثقافة، تنتصر الحياة
في واحدة من الأمسيات الرمضانية التي حملت عبق الروح السودانية وأصالة الوجدان، عاشت مدينة نيالا ليلة استثنائية من ليالي الجمال والإبداع، عندما احتشد جمهور كبير في منتجع الخيام ليشهدوا أمسية ثقافية وفنية بدت وكأنها إعلان صريح بعودة الحياة إلى المدينة التي أنهكتها سنوات الحرب.
لم تكن تلك الليلة مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل كانت مشهداً إنسانياً عميق الدلالة، تجلّت فيه روح المجتمع الذي يرفض الانكسار ويصر على أن يحتفظ بجماله رغم قسوة الظروف. فقد بدت نيالا في تلك الأمسية وكأنها تستعيد صورتها التي عرفها الناس بها؛ مدينة للثقافة والتجارة والتلاقي الاجتماعي، ومركزاً نابضاً بالحياة في أقصى غرب السودان.
وفي قلب هذا المشهد، خاطب رئيس الإدارة المدنية لولاية جنوب دارفور الأستاذ يوسف إدريس الحضور بلغة وجدانية رفيعة، عكست عمقاً ثقافياً واضحاً وأظهرت جانباً آخر من شخصية الرجل. لم يكن حديثه خطاباً سياسياً تقليدياً، بل كان أقرب إلى حديث مثقف يعرف قيمة الكلمة وتأثيرها في الوجدان العام.
وأكد إدريس خلال كلمته أن الأمن يمثل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها التنمية والخدمات وكل مظاهر الحياة المدنية، مشيراً إلى أن الاستقرار هو الشرط الأول لازدهار المجتمع. لكنه لم يقف عند حدود الحديث عن الأمن، بل مضى ليؤكد أن الثقافة والفنون تمثلان أيضاً جزءاً أصيلاً من بناء المجتمع وتعزيز هويته الحضارية.
ولعل أكثر ما لفت انتباه الحضور في تلك الأمسية هو التحول المفاجئ في نبرة الخطاب حين استحضر الوالي ذاكرة الشعر السوداني، فأنشد من روائع الشاعر الكبير عمر الدوش، صاحب الإحساس الوطني العميق، قبل أن يستعيد كلمات قصيدة “رجعنالك” التي كتبها الشاعر سبدرات وتغنت بها فرقة البلابل، وهي من الأعمال التي ظلت حاضرة في الوجدان السوداني لعقود طويلة.
كان لذلك المزيج بين الشعر والحديث الثقافي أثر كبير في نفوس الحاضرين، إذ بدت الأمسية وكأنها رحلة عبر ذاكرة الفن السوداني، تمتد من كلمات الدوش المرهفة إلى حضور صوت الراحل محمود عبدالعزيز الذي ظل رمزاً فنياً محبوباً لدى الأجيال.
ومن هنا لم يكن حضور الوالي مجرد مشاركة رسمية في فعالية ثقافية، بل بدا وكأنه رسالة رمزية تعلن أن زمن العتمة الذي حاولت الحرب فرضه على المدينة لم يعد قادراً على إطفاء جذوة الحياة فيها. فنيالا، رغم ما مرت به من محن قاسية خلال السنوات الثلاث الماضية، استطاعت أن تحافظ على نسيجها الاجتماعي المتماسك وروحها المدنية التي طالما ميزتها عن غيرها من المدن.
لقد كانت تلك الليلة بمثابة إعلان هادئ عن تعافي المدينة، ورسالة واضحة بأن المجتمع قادر على تجاوز الألم عندما تتوفر الإرادة المشتركة للحياة. فحين تعود المسارح لتستقبل الشعر والغناء، وحين يمتلئ المكان بالناس الذين جاءوا فقط ليحتفلوا بالجمال، يصبح ذلك دليلاً على أن الروح العامة بدأت تستعيد توازنها.
إن ليالي منتجع الخيام لم تكن مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت علامة رمزية على خروج نيالا من ظلال الحرب إلى فضاءات أوسع من الأمل والطمأنينة. وهي أيضاً رسالة تؤكد أن الثقافة ليست ترفاً، بل قوة ناعمة قادرة على إعادة بناء الوجدان وترميم ما تصدّع في النفوس.
وهكذا، في تلك الليلة الرمضانية المضيئة، بدت نيالا وكأنها تقول للعالم إنها مدينة تعرف كيف تنهض من الرماد، وتحول الألم إلى أغنية، وتفتح أبواب الفرح حتى في أكثر الأزمنة ظلمة.




