
جاء قرار تعيين الدكتور عمار آمون دلدوم وزيرًا للخارجية والتعاون الدولي في حكومة التأسيس ليعكس تحولات سياسية عميقة تسعى لإعادة رسم موقع السودان الجديد الخارجي . فالرجل الذي ظهر عبر الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ، وشارك كأحد أبرز المفاوضين في مسارات السلام ، يقف اليوم أمام اختبار جديد يتمثل في إدارة وزارة الخارجية ، حيث التوازن بين العلاقات الدولية وصياغة صورة دولة ما زالت في طور التأسيس .
دلدوم يمتلك خلفية سياسية ومهنية متنوعة ، فقد شغل منصب الأمين العام للحركة الشعبية – شمال ، حيث وفر له ذلك قاعدة سياسية متينة داخل تحالف التأسيس . كما كان مفاوضًا رئيسيًا في جولات السلام ، وهو ما أكسبه خبرة في معالجة الملفات الشائكة والمعقدة ، كذلك خاض تجارب في الإدارة والتشريع عبر البرلمان والمستويات المحلية ، ما عمّق فهمه لمؤسسات الدولة والتعامل في الشأن العام . وإلى جانب ذلك ، عمل لسنوات في منظمات الإغاثة والتنمية ، الأمر الذي منحه إدراكًا للبعد الإنساني في العلاقات الدولية والدبلوماسية غير الرسمية . كل هذه الخبرات جعلت منه شخصية تجمع بين الواقعية السياسية والقدرة على قراءة موازين القوى .
وزارة الخارجية في المرحلة الحالية لحكومة تأسيس تعتبر ساحة مفتوحة لتقاطع الإرادات الإقليمية والدولية ، لذلك نجد أن التحديات أمام عمار دلدوم كبيرة ، تبدأ من ضرورة إعادة تعريف شرعية حكومة التأسيس وإقناع المجتمع الدولي بجدّيتها ، مرورًا بإدارة شبكة العلاقات مع دول الجوار مثل جنوب السودان وإثيوبيا ومصر وإريتريا ومع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين . كذلك يواجه ملف العقوبات والدعم الدولي ، وهو ملف يحتاج خطابًا دبلوماسيًا مقنعًا وقدرة على بناء التحالفات . أضف إلي ذلك ، تقع على عاتقه مهمة تأطير دور السودان الجديد ، بحيث يتحول من دولة مأزومة إلى فاعل إقليمي يطرح المبادرات بعيدا عن منطق الازمات.
نقاط القوة لدى دلدوم واضحة ، فهو يمتلك خبرة تفاوضية تمنحه مرونة في التعامل مع الأطراف المختلفة ، كما أن خلفيته من جبال النوبة تضفي على خطابه مصداقية في الحديث عن العدالة والتمثيل المتوازن . إضافة إلى ذلك ، فإن ارتباطه بتحالف التأسيس يجعله ممثلًا لمشروع يسعى للتغيير الجذري لا لإعادة إنتاج القديم .
لكن في المقابل ، هناك نقاط ضعف محتملة ، فخبرته المباشرة في البيروقراطية الدبلوماسية محدودة ، كما أن التوقعات العالية من قواعد التأسيس قد تضعه تحت ضغط مضاعف في ظل بطء التغيرات على المستوى الخارجي . فضلًا عن ذلك فإن التنافس الإقليمي والدولي حول السودان سيختبر قدرته على المناورة ، خصوصًا في ملفات حساسة مثل البحر الأحمر ، أو العلاقات مع أطراف مثيرة للجدل مثل إيران وإسرائيل .
تعيين عمار آمون دلدوم تعتبر لحظة فارقة في مسار السياسة السودانية . فهو يملك فرصة لإعادة صياغة السياسة الخارجية على أسس جديدة تقوم على الندية والبراغماتية والتمثيل العادل . غير أن نجاحه سيعتمد على مدى قدرته في المزاوجة بين الشرعية الجديدة والكفاءة الدبلوماسية ، وهي معادلة صعبة لكنها ممكنة إذا أحسن توظيف خبرته التفاوضية في إدارة علاقات السودان الدولية بذكاء وجرأة .



