رأي

التمسك بالحرب كأداة للحفاظ على الهيمنة: قراءة سياسية في عقلية “قطع العقدة بالسيف”

دكتور هشام عثمان

حين ننظر إلى مسار الحرب في السودان، نجد أن الجيش وحلفاءه يتصرفون وكأنهم أسرى لعقلية قديمة وصفها الإغريق بـ”قطع العقدة بالسيف”: أي التعامل مع المعضلات المعقدة بالعنف المباشر، لا بمحاولة الفهم والتفكيك والحوار. هذه الذهنية ليست مجرد خيار عابر بل هي طريقة في التفكير تشكلت عبر عقود من الحكم العسكري، وأصبحت بمثابة “بنية عقلية” ترفض التسويات وتستعيض عنها بالقوة. لكن المأزق أن هذه العقلية، التي يتصور أصحابها أنها وسيلة للحفاظ على الهيمنة، تقود في الواقع إلى تفكيك ما تبقى من هذه الهيمنة وإلى إضعاف الدولة ذاتها.

الحرب هنا ليست دفاعاً عن السودان كما يروَّج، بل دفاع عن شبكة الامتيازات التي ارتبطت بالمؤسسة العسكرية والنخب الطفيلية المتحالفة معها. منذ الاستقلال، كان الجيش يرى في نفسه ليس مجرد مؤسسة نظامية، بل وصياً على المجال السياسي والاجتماعي، يفرض الحلول حين تعجز النخب المدنية. انقلاب عبود عام 1958 لم يأت من فراغ، بل جسّد هذه الذهنية التي ترى في السيف حلاً أسرع من السياسة، تماماً كما فعل نميري في 1969 والبشير في 1989. وكل مرة كان المشهد يتكرر: محاولة فرض النظام بالقوة، ثم مأزق، ثم انهيار، لكن دون مراجعة حقيقية لهذا المنطق. واليوم، يتكرر المشهد في أبشع صورة، حيث تحولت الحرب إلى وسيلة مكشوفة للدفاع عن سلطة مهددة بالسقوط.

من يتأمل في خطاب الجيش وحلفائه يجد أن رفضهم للحل السياسي ليس نابعا من قوة بل من خوف. إنهم يعلمون أن أي طاولة مفاوضات حقيقية ستجردهم من “سلاح الهيبة”، وستفتح الباب أمام أسئلة العدالة والمحاسبة وتقاسم السلطة والثروة. لذلك يساوون بين التفاوض والخيانة، ويختبئون وراء شعارات الوطنية والسيادة، في حين أن أفعالهم هي أكثر ما يفرط في السيادة بفتح البلاد لتدخلات إقليمية ودولية متعارضة. هذه المفارقة تفضح تناقضهم: إنهم يرفعون شعار حماية الدولة بينما يدمرون أسسها.

لكن لهذه العقلية كلفة فادحة. إن من يظن أن الحرب يمكن أن تكون أداة للحفاظ على السلطة يكرر خطأ ميلوشيفيتش في يوغوسلافيا، وصدام حسين في العراق، وموسوليني حين غرق في مغامرات عسكرية لم تجلب سوى الخراب. جميع هؤلاء تصوروا أن “قطع العقدة بالسيف” سيحفظ هيمنتهم، لكن النتيجة كانت انهيار هيمنتهم نفسها. في السودان، النتائج لا تختلف: هزائم متكررة في الميدان، عزلة دولية متزايدة، تآكل الشرعية، وانقسام اجتماعي عميق يعيد إنتاج الكراهية بأشكال أشد عنفاً. إن التمسك بالسيف بدلاً من العقل لم يجلب إلا الخراب، وما يُسمى “هيبة الدولة” لم يعد سوى وهم متداعٍ.

الأدهى أن هذه الحرب لا تعني حتى الدفاع عن سلطة قابلة للبقاء. فالاقتصاد ينهار تحت وطأة اقتصاد الحرب، شبكات التهريب والفساد تستشري، البنية الاجتماعية تتفتت، والموارد تُستنزف في صراع لا نهاية له. بهذا المعنى، فإن الهيمنة التي يريد الجيش حمايتها تتحول شيئاً فشيئاً إلى هيكل بلا أساس، سلطة في الفراغ لا تملك أدوات البقاء. إنهم يحفرون بأيديهم قبر السلطة التي يتشبثون بها.

ولا يمكن إغفال أن ما يرفض الجيش مواجهته هو الاستحقاق التاريخي الذي خرج إلى السطح منذ ثورة ديسمبر: استحقاق العدالة، المساواة، والتحول الديمقراطي. هذه ليست شعارات بل شروط بقاء الدولة السودانية نفسها. التاريخ أثبت في حالات تشيلي بعد بينوشيه، وإسبانيا بعد فرانكو، وجنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد، أن المجتمعات لا تخرج من أزماتها بالعنف العسكري، بل بتسويات تاريخية تفتح الباب لعقد اجتماعي جديد. أما الإصرار على الحرب فلا يعني سوى تأجيل الانفجار الأكبر، وتحويل كل تناقض اجتماعي إلى برميل بارود.

إن الجيش السوداني وحلفاءه يحلمون بالعودة إلى “الوضع القديم” حيث المركز يحتكر السلطة ويعيد إنتاج امتيازاته. لكن هذا الحلم صار مستحيلاً؛ فقد تغير السودان جذرياً. الأقاليم لم تعد هامشاً صامتاً، والوعي الاجتماعي لم يعد قابلاً للانقياد بالقوة وحدها، والانقسامات التي أشعلتها الحرب لن تُخمد بالمدافع بل ستظل جروحاً مفتوحة. كل رصاصة تُطلق اليوم هي إعلان جديد عن عجز الذهنية القديمة عن التعامل مع الواقع.

هنا تكمن المفارقة: ما يظنه الجيش سبيلاً لحماية هيمنته هو في الواقع طريق إلى فقدانها النهائي. فالتاريخ لا يرحم النخب التي تمسكت بالسيف حين كان المطلوب هو العقل، ولا يغفر لمن استبدل الوطن بامتيازاته الخاصة ثم زعم أنه يحميه. الحرب ليست أداة للحفاظ على السلطة، بل آلة طحن ستسحق السلطة نفسها مع المجتمع. وما لم يتم تجاوز عقلية “قطع العقدة بالسيف”، فلن يكون أمام السودان سوى الانحدار نحو سيناريوهات التفكك الكامل، بينما يظن أصحاب السيوف أنهم يحكمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!