
د. دقاش حسب الله دقاش
نسير على أرض تفيض بالخير ثم نمد أيدينا للتسول ونحمل في جوفنا أنهارا تجري ومعادن تلمع وتربة لو ألقيت فيها بذرة لأنبتت شجرا ومع ذلك نشكو العوز كل يوم كأننا قدرنا أن نكون شهودا على نعمة لا نملك شجاعة استثمارها .
إن السودان بلد مترامي بين الصحراء والنهر وبين المطر والشمس وبين الذهب والقطن والصمغ ومع كل هذا الوفر يبدو كأنه محكوم عليه أن يعيش دور الضيف في بيته فنملك ولا نستفيد ونزرع ولا نحصد وننتج ولا نصنع ثم نجلس لنحصي الخسائر ونلعن الحظ.
أما مواردنا فتخرج من باطن الأرض في جنح الليل ولا تعرف طريق البنك ولا خزينة الدولة بل تسافر عبر الدروب الوعرة إلى أسواق لا نعرفها لتعود إلينا بعد شهور زينة تباع في واجهات المحلات بأسعار تحرجنا كما تغادر ماشيتنا التي نربيها بعرق الرعاة أحياء بأثمان لا تساوي كلفة العلف ثم نستقبلها لحوما مجمدة دفعنا فيها أضعاف ما بعنا به ويخرج قطننا الطويل التيلة وصمغنا الذي لا مثيل له وسمسمنا وكركدينا وتبلدينا مواد خام بلا روح ولا قيمة مضافة لتعود إلينا في عبوات أنيقة تحمل أسماء شركات لا نعرفها وندفع ثمنها ونحن صاغرون فبعنا الأرض ولم نبع معها المعرفة فصرنا سوقا لغيرنا.
وتتسع أرضنا كأنها لا تنتهي ويلتقي النيلان في قلب العاصمة في مشهد لا يتكرر وتهطل الأمطار حتى تغرق الطرقات ومع ذلك تركنا السهول بورا والجروف بلا زراعة وانصرفنا إلى استيراد القمح والزيت والسكر حتى السكر الذي كانت أعواده تموج في مشروعاتنا صار يأتينا مكررا ومعبأ في أكياس تحمل شعارات أجنبية واستسلمنا لثقافة الاستهلاك فاشترينا كل شيء حتى ما يمكن أن ننتجه بأيدينا وتوسعنا في البنيان على حساب الحقول ودفن ا مستقبلنا تحت الأسمنت ونسينا أن أمن أي أمة يبدأ من لقمة خبزها.
وصار الإنسان السوداني هو الآخر سلعة تصدير فهاجرت العقول التي كان يمكن أن تبني المستشفيات والجامعات والمصانع وهاجرت الأيادي التي كان يمكن أن تعمر القرى والمدن فذهبوا ليبنوا أوطان غيرنا ونحن نحتفل بوداعهم ثم نشكو بعدهم كما أن العملة التي يرسلونها من الغربة لا تصل إلى خزينة الوطن بل تسقط في دهاليز السوق الموازي فتضرب قيمة الجنيه في مقتل فخسرنا الإنسان وجهده والمال الذي كان يمكن أن يكون شريان حياة للاقتصاد.
ونعاني من قلة قيمة العمل لا قلة العمل إذ أن الزمن عندنا مائع بلا قيمة فيبدأ الدوام متأخرا وينتهي قبل موعده وتكون المبررات جاهزة فاليوم مناسبة وغدا ظروف ويمدد المشروع الذي يمكن أن ينجز في أيام إلى شهور ويؤجل القرار الذي يحتاج توقيعا إلى أجل غير مسمى وفي الوقت ذاته غابت هيبة القانون فنجا من أخطأ وله ظهر يحميه وأفلت من سرق المال العام وله من يدافع عنه فكيف لبلد أن ينهض وقانونه أعور وميزانه مائل ومحاسبته انتقائية.
إن الفقر الحقيقي ليس في قلة المال وإنما في امتلاك كل شيء وعدم استخدامه وفي الغنى بالموارد مع الفقر في الإرادة وما لم نغرس في دواخلنا رقابة الله قبل رقابة القانون وما لم نحترم الزمن ونقدس العمل ونحاسب المقصر ونكافئ المخلص وما لم نتحول من دولة تبيع الخام إلى دولة تصنع وتنتج وتصدر فسنظل نستحق وصف شعب فقير يسكن في أغنى أرض.
إن المخرج يبدأ بقرار وطني حاسم قرار بإعادة الاعتبار للإنتاج قرار بحماية المنتج المحلي قرار بربط الحقول بالمصانع وقرار بجعل الكفاءة معيارا للتقدم فالوطن لا يبنيه الشاكون وإنما يبنيه العاملون المخلصون.
السودان أولا والكرامة تبدأ بالإنتاج
(لازم تقيف الحرب )
الخميس 9 يوليو 2026م




