
في وقتٍ تعلن فيه أديس أبابا اكتمال سدّ النهضة كأكبر إنجاز تنموي في القارة، يقف السودان على الضفة الأخرى غارقاً في أتون حرب سياسية لا تنطفئ، إنها مفارقة بين بلد محدود الموارد يسابق الزمن نحو التنمية، وآخر ثري تحوله نخب السياسة والعسكرية إلى ساحة صراع دائم، إثيوبيا في عهد آبي أحمد قدّمت درساً بأن التنمية لا تحتاج إلى الثروات، ولكن إلى إرادة سياسية ورؤية وطنية (ثاقبة).. خمس سنوات مكّنت آبي احمد من تحقيق الطفرة الاقتصادية الكبرى، وجعل السد العظيم رمزاً لوحدة مشروع الدولة، قد يختلف الناس حول تفاصيل إدارة آبي، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أنه استطاع توزّيع التنمية، وجعل المستقبل هوالقضية المركزية لبلده.
وحين تعلن إثيوبيا عن اكتمال سدّ القرن بوصفه أحد أعظم المشاريع التنموية في القارة، تعلن عن تحوّل استراتيجي في رؤيتها المستقبلة، كبلد محدود الموارد، يواجه تحديات معقدة، إلا انه نجح في توظيف إرادته السياسية لبناء مشروع قومي جامع، وفي عهد (آبي).. تحوّل خطاب الدولة من صراع الحسابات الضيقة، إلى تنمية شاملة واستثمار استراتيجي في البنية التحتية والطاقة، باعتبارها قاعدة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى الضفة الأخرى يقف السودان مترنحاً، بلد غني بالموارد وغارق في أزمات اقتصادية وسياسية مزمنة، هنا يمكن اكتشاف الفارق، ان الموارد وحدها لا تصنع الازدهار، وإنما الرؤية السياسية والقُدرة على إدارة التنوع وحشد الطاقات. ومنذ عقود ظل السودان أسير أنظمة متعاقبة، أسست للفساد والظلم والاستبداد، أبقت البلاد رهينة دائرة مفرغة من الانقلابات التحالفات الضيقة، والنتيجة أن ثروة البلاد صارت مصدراً لصراع سياسي واجتماعي لا أداة للتنمية، حيث لم يحصد المواطن سوى التهميش والخذلان.!
إن الجيش الذي يفترض أن يكون حارساً للدولة، تحوّل إلى لآعب سياسي يختزل شرعية السلطة في (مجد البندقية).. فهو من الإنقاذ إلى البرهان، حيث بقيت العقيدة الحاكمة قائمة على عسكرة السياسة لا على ترسيخ دولة القانون، وهكذا لم يعد السلاح وسيلة لحماية الحدود، بل أداة لصناعة الحروب الأهلية وتعميق الانقسامات الاجتماعية.
ان تجربة إثيوبيا خلال الخمسه اعوام مقارنة بما جرى في السودان خلال خمسة عقود تكشف بوضوح أن معضلة السودان لم تكن يوماً في الإمكانات، بل في غياب القيادة الوطنية القادرة على توجيه الموارد نحو مشروع وطني جامع، ورغم كل التحديات التي واجهت رئيس الوزراء آبي، إلا انه قدّم نموذجاً رائداً لما يمكن أن تصنعه الإرادة السياسية، أما النخب السودانية الفاشلة فمازالت تواصل إنتاج الحلقة المفرغة من الاستبداد والعنف رغم ماساة الحروب.!
إن المقارنة الصريحة بين سدّ النهضة وبندقية البرهان، ليست في الموارد والقدرات، بل في نوعية القيادة نفسها، فالأولى رأت في التنمية مشروعاً وطنياً عادلاً، والثانية جعلت من السلطة غاية في تكريس المظالم والعنصرية، ولو كان الثمن تدمير الدولة. لعل الدرس الأهم هنا أن السودان لن يخرج من أزماته الطاحنه إلا إذا تحوّل مّجد (البندقية) إلى مجد التنمية، واستعاد السياسيون والعسكر الوعي، وإدراك أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من سلاح، بل بما تحققه من استقرار سياسي وعدالة وازدهار لمواطنيها.




