رأي

بكاء الحركة الإسلامية وعويلُ البلابسة بعدَ الضربةِ الرباعية القاضية

حسن عبد الرضي الشيخ

حسن عبد الرضي الشيخ

جاء بيان الرباعية كصفعةٍ سياسيةٍ قويةٍ هزّت البناء الفكري والسياسي الهش الذي بنت عليه أجزاءٌ من الحركة الإسلامية وجودها في المشهد الوطني. ليس المقصود هنا تهكمًا أو انتصارًا للعواطف، بل قراءةٌ جادةٌ لوقائعٍ تحمل دلالاتٍ فاصلة عن مسارٍ طويلٍ من التجاذبات والخيبات. ما يجري اليوم من بلبلةٍ في خطابات جماعة الاسلام السياسي ومن تحوّلٍ في منابرهم إلى مآتمٍ مفتوحة، ليس مناحة و”سكاليب” صوتية فحسب، بل انعكاسٌ لمرحلةٍ مفصلية تجسد إنكشافُ خيبة الأمل في مشروعٍهم، وتراجعُ قدرته على تعبئةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ كانت تُعدُّ من أدواته الأساسية.
الرباعية — بأطرافها ذات النفوذ الإقليمي والدولي— قدمت خارطة طريقٍ واضحة تهدف إلى تهدئةٍ فوريةٍ وتأسيسِ تحولٍ سياسي مدني. هذا الإعلان لم ينهِ نقاشاتٍ تاريخيةً حول دورِ التياراتِ الإسلامية في الدولة والسياسة، لكنه أدى عمليًا إلى كشف هشاشةِ بعض منظومات التمثيل التي اعتمدت على احتكار الخطاب والسلطة. وفي هذا السياق، لا بدّ من التمييز بين نقدٍ موضوعيٍّ لممارساتٍ ونتائج، وبين مهاجمةٍ لوجودٍ فكريٍّ بأكمله: تحليلُ الانكسار اليوم يجب أن يكون نقدًا مؤسسًا، يستند إلى قراءةٍ لمآلات التجربة لا إلى صيحات احتفاء أو احتقار فوري.
ما نلاحظه على الأرض وفي وسائلهم أن خطابَ الحركة الإسلامية اتجه إلى سردٍ متكررٍ عن «المؤامرات» و«الخيانات» كآليةٍ للدفاع عن النفس، بينما تتضاءل القدرة على تقديم بدائلٍ عمليةٍ أو استعادةِ ثقة قواعدٍ كانت تدور في فلكهم. هذا الانزلاق إلى لغةِ التحريضِ والاتهامِ يكشف عن فقدانٍ للمرجعيةِ الواقعية التي تُقنع الشارع، ويضعهم في حلقةٍ مغلقةٍ من الردودِ والدفاعِ بدلاً من التجديد الذاتيّ والمراجعة.
من زاويةٍ أخرى، يجب أن تُقرأ ردود الفعل هذه في ضوء سجلٍ طويلٍ من ممارساتٍ سياسيةٍ تداخلت فيها السلطة مع الدين، وتبدَّت فيها المصالح وتضاربت فيها الولاءات. عندما تتحول الأهدافُ الوطنية إلى أدواتٍ للتعزيزِ الذاتي، يتولّد في النهايةُ فراغٌ سياسيٌّ تغذّيه قوىٌ أخرى، وتظهرُ ردودُ الفعل كصرخةٍ أمام خسارةٍ في الأصالة والشرعية. لذا فالبكاءُ السياسيُّ اليوم ليس مجردَ انفعالٍ عابرٍ، بل ثمرةُ تراكماتٍ يجب التعاملُ معها بتحليلٍ جادٍّ ومسؤولٍ.
إن بيان الرباعية، مهما اختلف السودانيون حول بعض آليات تنفيذه، يطرح فرصةً لإعادةِ ترتيب المشهد، كما أنه يضع سقفًا لمرور عمليةٍ سياسيةٍ جديدة، ويمنح القوى الوطنية والمدنية مجالًا لإعادة بناء خطابٍ يعيد للدولة دورها كخادِمٍ للمواطن لا للأجندات الضيقة.
والدرس المهم هنا أن ثمنُ الاستمرار في منطقِ المحاصصة والهيمنة ليس فقط فقدان السلطة، بل تضاؤلٌ في الثقةِ العامة ووباءٌ اجتماعيٌّ يمزّق مواقعِ الالتقاء الوطني.ختامًا، ليست الحاجةُ إلى سخريةٍ ولا إلى تصفيقٍ مبالغٍ فيه، بل إلى قراءةٍ تقويميةٍ ومسؤولةٍ.
على التياراتِ التي تملك امتداداتٍ اجتماعيةً أن تتوقفَ عن الانغماسِ في خطابِ الدفاعِ الذاتي، وأن تبدأَ بمراجعةٍ حقيقيةٍ لبرامجها وأساليبها. وعلى الشعب أن يقيمَ بكل صراحةٍ من حمل المشروع ومن آثرَ الصراعَ على حسابِ الوطن. إنّ المهمة الآن تتطلب هدوءًا، وضوحًا، وإرادةً حقيقيةً للتجاوز، لا استمرارًا في منطقِ المآتم التي تكرّر نفسها حتى تفقد معناها وتغدو رثاءً لعهدٍ انتهى. اسمحوا لي، في خاتمة المقال، ان ابارك للشعب السوداني كافة، بداية انطلاق برنامج “الاقتلاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!