رأي

الشخصية السودانية بين هيمنة الخرافة والبداوة

نجم الدين دريسة

رغم ما تتميز به الشخصية السودانية من مظاهر إيجابية وأنماط سلوكية حميدة ترفع من مكانتها بين الشعوب الأخرى – مثل الشجاعة، التكافل، الكرم، التضامن، والعديد من الخصال المرتبطة بالسلوك الاجتماعي – إلا أنّ هذه السمات المضيئة لم تمنع تعثّر مشروع بناء الدولة السودانية. فقد ظل السودان يعيش في دوامة الحروب الأهلية والصراعات، مما أفرز تخلفاً متواصلاً في المجتمع وضعفاً واضحاً في إدارة التنوع والاختلاف والموارد والثروات. وهكذا تحوّل السودان، رغم امتلاكه لكل مقومات النهوض، إلى دولة تدمن الفشل وتستعصي على تجاوز أزماتها.

من أبرز المظاهر السلبية في الشخصية السودانية طغيان الجانب العاطفي، وهو من العيوب البنيوية التي تجعل الانتماء قائماً على الوجدان لا على العقل. وبفعل هذه الهيمنة الوجدانية، يتقدّم الانتماء إلى القبيلة أو الطائفة أو الحزب على الانتماء للوطن، كما يبرز الميل لتقديس الأشخاص وصناعة زعماء أسطوريين تُضفى عليهم هالة من القداسة. هذه النزعة حالت دون ترسيخ التفكير العقلاني أو ما يمكن تسميته بـ”العقل المؤسسي”.

إن الخطاب السائد في المجتمع السوداني ظل في جوهره خطاباً عاطفياً وجدانياً، بينما غاب الخطاب العقلاني الرصين. حتى التدين ارتبط في معظمه بالنمط الوجداني؛ فالإسلام الصوفي يقوم على إثارة العواطف، إضافة إلى تأثير الثقافة البدوية التي كثيراً ما تميل إلى العصبية والانفعال على حساب التفكير الموضوعي والمصلحة العامة.

لقد أعاقت هذه الموروثات الدينية والبدوية، مع طغيانها على المسرح الاجتماعي والسياسي، بناء مؤسسات راسخة تقوم على منهجية علمية. فالعاطفة غلبت على المؤسسية، والوعي النقدي تراجع أمام ثقافة التصديق الوجداني والتسليم بالغيبيات واستسهال معالجة القضايا الكبرى. وبهذا بقينا حبيسي دائرة الخيبات.

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في العوامل التي كرّست تخلف الشخصية السودانية، والخروج من أسر المألوف، والانتقال إلى مرحلة تأسيس مؤسسات تقوم على العقل النقدي، وتحطيم التابوهات الفكرية والاجتماعية. عندها فقط يمكن أن نتطلع إلى مستقبل تسوده فضائل التفكير العقلاني الخلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!