رأي

تناقض الدور المفترض للجيش السوداني وحقيقة استهداف المدنيين.وسرطان الامه

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

لطالما اعتُبر الجيش في أي دولة هو الركن الأساسي لحماية كيان الدولة وصيانة أمن مواطنيها وضمان سلامة أراضيها. هذا هو العقد الاجتماعي الضمني بين المؤسسة العسكرية والشعب الذي تتعهد المؤسسة بحمايته. ومع ذلك، يشهد السودان واقعًا مؤلمًا ومغايرًا لهذا المفهوم التقليدي، حيث يبدو أن القوات المسلحة، التي يفترض أن تكون الدرع الواقي للأمة، قد تحولت إلى مصدر تهديد مباشر للمدنيين العزل. لقد تجلى هذا التناقض الصارخ بأبشع صوره خلال حرب الخامس عشر من أبريل وما تلاها، مسلطًا الضوء على نمط سلوك تاريخي متكرر يضع المواطن السوداني في مرمى نيران جيشه المفترض.

إن الوظيفة المحورية للجيش، كما يُفهم عالميًا، هي الدفاع عن الحدود ضد التهديدات الخارجية وضمان الاستقرار الداخلي. لكن في السياقات السودانية المتعاقبة، وخاصة في النزاعات الأخيرة، نرى استهدافًا ممنهجًا للبنية التحتية المدنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. إن تدمير الأسواق، التي هي شرايين الاقتصاد المحلي، واستهداف مصادر المياه الحيوية، والاعتداء على المستشفيات التي تمثل ملاذ الأمن الصحي، بالإضافة إلى قصف أو تدمير الأعيان المدنية والمساجد، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة عسكرية مشروعة. هذه الأفعال لا تمثل خرقًا لقوانين الحرب فحسب، بل هي دليل على تحول في الأولويات من حماية الشعب إلى استهداف تجمعاته الحيوية لفرض السيطرة أو بث الرعب.

حرب أبريل 2023 تقدم دليلاً قاطعًا على هذا الانحراف عن المهام الأساسية. فالصراع الدائر لم يكن مجرد اشتباك عسكري تقليدي بين طرفين متكافئين على أرض المعركة، بل تحول سريعًا إلى حرب استنزاف تستهدف المدنيين بشكل مباشر وغير مباشر. استخدام القوة الجوية والمدفعية الثقيلة في المناطق المكتظة بالسكان، والتقارير المتواترة عن عمليات قتل واعتداءات موجهة ضد الأفراد الذين لا يحملون سلاحًا، تشير إلى وجود عقيدة قتالية لا تفرق بين المقاتل والمدني، بل قد تفضل استهداف الأخير لتعطيل الحياة العامة.

هذا السلوك لا يمثل حادثة معزولة، بل ينسج خيوطًا متصلة مع تاريخ الصراعات الداخلية في السودان. ففي المراحل السابقة، من حروب حركات الكفاح المسلح في الأطراف، إلى الصراع الطويل في جنوب السودان، كانت هناك اتهامات متكررة وموثقة للجيش بانتهاكات جسيمة ضد السكان المدنيين، غالبًا ما كانت مدفوعة بدوافع عنصرية أو قبلية في بعض الأحيان. إن تكرار نمط الاستهداف الممنهج للمدن والمناطق التي يُعتقد أنها تدعم الخصم، كما حدث سابقًا في مناطق مثل دارفور والجنوب، يعيد تأكيد أن التاريخ يعيد نفسه، وأن القوة العسكرية غالبًا ما توجه ضد المواطن السوداني نفسه.

إن ما حدث مؤخرًا من استهداف لأسواق مثل سوق المجلد ليس استثناءً، بل هو تأكيد على سلوك متأصل لدى مؤسسة عسكرية ارتضت لنفسها دورًا مختلفًا عن دور الحامي. هذا السلوك غالبًا ما يُنسب إلى قيادات تغلغلت فيها أيديولوجيات متطرفة أو متأسلمة، والتي قد ترى في استهداف المدنيين وسيلة فعالة لضمان بقائها أو حماية مصالحها الخاصة، حتى لو كان الثمن هو تدمير النسيج الاجتماعي والوطني. والمفارقة المؤلمة أن هذه المؤسسة، التي تدعي حماية الأمة، نجد قياداتها تعيش حالة من الوهن والتبعية أو حتى النزوح واللجوء في دول الجوار نتيجة فشلها في إدارة الصراع بمسؤولية. هذا التناقض بين الادعاء بالقوة والتطبيق الفعلي يثير أسئلة عميقة حول شرعية هذه القيادة وسلامة عقيدتها.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو كيف يمكن لدولة أن تستمر عندما يكون جيشها هو العدو الأكبر لشعبها؟ إن استمرار هذا النهج الإرهابي والمدمر لا يؤدي إلا إلى مزيد من التشرذم والانهيار. إنه يخلق شعورًا باليأس والغضب الشعبي، ويدفع المواطنين إلى التساؤل عن جدوى وجود مثل هذه المؤسسة التي تنفق عليها الأمة مواردها الثمينة لخدمة مصالحها الخاصة بدلاً من مصلحة الوطن.

في ظل هذا الواقع المأساوي، تتجه الأنظار إلى القوى السياسية التي تسعى لتأسيس مرحلة انتقالية جديدة. إن أي محاولة لبناء دولة ديمقراطية ومستقرة تتطلب بالضرورة تفكيك هذه البنية العسكرية التي أثبتت عدم التزامها بأخلاقيات الحرب أو واجبها تجاه الشعب. يجب على أي حكومة مستقبلية أن تتخذ موقفًا حازمًا وشجاعًا لمعالجة هذا الخلل الهيكلي. إن استخدام القوة الرادعة بشكل قانوني وأخلاقي لإعادة فرض النظام وحماية المواطنين من هذه المؤسسة التي تحولت إلى سرطان عضال هو ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الوطن. القيادات التي تقف وراء هذه الجرائم، والتي يتم وصفها بأقل الصفات الإنسانية بسبب أفعالها الإجرامية، يجب أن تواجه العدالة لوقف هذا النزيف. إن حماية الشعب من جيشه هي الخطوة الأولى نحو استعادة الدولة.

في الختام، إن العلاقة بين الجيش السوداني والشعب قد وصلت إلى نقطة اللاعودة من حيث الثقة. الدور التاريخي المتناقض، الذي تتركز آثاره السلبية في الاستهداف المتعمد للمدنيين والبنية التحتية في حرب أبريل وما قبلها، يمثل وصمة عار على المؤسسة العسكرية. إن استمرار هذا السلوك الإجرامي يتطلب تدخلاً جذريًا وحاسمًا من القوى الوطنية لإعادة بناء الدولة على أسس تحترم حياة المواطن وكرامته، وضمان عدم تكرار استغلال القوة العسكرية لتدمير الوطن من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!