رأي

الحرب حين طرقت أبواب المركز: بين العمى الأخلاقي وصدمة الوعي المتأخر: او حين ينهار القصر والكوخ معًا: أخلاقية جديدة أو موت الوطن:

خالد كودي، بوسطن

لم تُدرك النخب السودانية ــ التي حكمت المركز، وأدارت أجهزته، وتمتعت بامتيازاته الرمزية والمادية ــ أن الوطن يعيش في حالة حرب ممتدة منذ عقود، وأن إخوتهم في الهامش ظلوا يُقتلون ويُعذَّبون ويُهجَّرون قسرًا من ديارهم، إلا حين انقلب المشهد فجأة، وتحولت نيران الحرب إلى قلب الخرطوم ومدن الوسط الرئيسة. عندها فقط، شعر هؤلاء النخب بأنهم في مواجهة كارثة حقيقية.
هذا الإدراك المتأخر يكشف عن عمى أخلاقي عميق، يشبه ما صاغه فيودور دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف حين بيّن أن الإنسان لا يستيقظ ضميره إلا عندما يتهدده الألم مباشرة. وكأن الضمير، في عرف النخب السودانية، لم يكن عضوًا حيًا دائمًا، بل جهازًا خاملاً لا يعمل إلا عند لمس الجسد الخاص، وعند ارتجاف البيت الذي يسكنونه. فما كان يحدث في دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق ظل بعيدًا، غريبًا، وكأنه يقع في عالم آخر، خارج حدود الأخلاق والوطن. لكن ما إن وصلت المأساة إلى شرفات الخرطوم، حتى بدأ الضمير يطرق الباب بقوة، صارخًا بما تجاهلوه طويلًا.
دوستويفسكي رأى أن الإنسان، حين لا يتهدده الألم، يسهل عليه أن يبني لنفسه أعذارًا، ويختبئ وراء مبررات براقة: حماية الدولة، الحفاظ على الأمن، الدفاع عن القومية أو الدين. هذه كلها أقنعة لتأجيل مواجهة الحقيقة. النخب السودانية فعلت الشيء نفسه؛ فمنذ عقود كانت الحروب في الأطراف تُرى كـ”ضرورة” أو كـ”تضحيات لا بد منها” لبقاء الدولة المركزية. لم يكن القتل يُعتبر جريمة، بل “عملية عسكرية”، ولم يكن التهجير يُعتبر مأساة، بل “إعادة ترتيب للأوضاع”
لكن حين أصبحوا هم أنفسهم مطرودين من بيوتهم، أو واقفين في صفوف الإغاثة والتكايا، أو باحثين عن مأوى في المنافي، انكشفت زيف الأقنعة، وتحوّل الصمت الطويل إلى صرخة.
لحظة الخرطوم كشفت عن مفارقة أخلاقية وفلسفية حادة. فهي من جهة جسّدت ما أشار إليه ليفيناس من أن المسؤولية لا تولد إلا في مواجهة وجه الآخر ومعاناته؛ غير أن النخب لم تُبصر هذا الوجه إلا حين ارتدت النار إلى بيوتها. ومن جهة أخرى، كان يمكن للألم والانهيار أن يكونا لحظة نيتشوية بامتياز، تستدعي “إرادة القوة” بوصفها فرصة للتحول وإعادة بناء الذات على أسس جديدة. لكن ما حدث فعليًا لم يكن تحولًا، بل عودة إلى الإنكار والمكابرة، والاحتيال على المعنى، والتشبث بالمواقع والامتيازات القديمة وكأن شيئًا لم يتغير. وهكذا، بدلاً من أن تتحول المأساة إلى إمكان للتجديد، غدت مسرحًا لإعادة إنتاج الوهم والمكابرة.
لقد انقلبت الحرب من خبرٍ عابر في الصحف، أو إشاعة تتردد من بعيد، إلى واقع يقتحم غرف النوم، ويهدم الجدران، ويطرد الساكنين. الفارق بين ما جرى في الهامش وما جرى في الخرطوم لم يكن في حجم الجريمة، بل في موقع الضحية. هنا ينكشف التناقض الأخلاقي: المأساة هي ذاتها، غير أن الضمير لم يُستفَز إلا حين تبدّل موقع الألم. بهذا المعنى، فإن مأساة النخب ليست في أنها تحوّلت إلى ضحية وحسب، بل في أنها لم تتعلم من ضحاياها الأوائل، ولم تُدرِك أن الدم واحد، وأن الألم واحد، وأن الوطن لا يُقسَّم إلى مناطق آمنة وأخرى مباحة للقتل. صدمة الخرطوم لم تكن مجرد دخول الحرب إلى العاصمة، بل دخول الحقيقة نفسها إلى وعي النخب بعد طول إنكار!

سايكولوجيا الإنكار: النخب كعُميان في مواجهة المأساة
في علم النفس الاجتماعي، يمكن تفسير هذا الإنكار العميق بما يُعرف بـ”الانفصال الأخلاقي.”
(Moral Disengagement)
حيث يبرّر المرء الفظائع إذا لم تصله مباشرة، أو إذا أُعيد تأطيرها كـ”ضرورة وطنية”. النخب السودانية لم تكن غافلة تماما عن الحروب في دارفور، جبال النوبة، أو النيل الأزرق، لكنها كانت تمارس استعلاءً نفسيًا يرى الضحايا كـ”آخر” بعيد. لم يبدأ “الأنا” السوداني المركزي يشعر بالفقد إلا حين تحوّل إلى نازح، ولاجئ، ومحروم من رفاهه اليومي.
إن مأساة الكثير من هذه النخب أنّها انتقلت فجأة من واقع بيوت مصقولة بالرخام الإيطالي، وأحواض سباحة مستورّدة من تركيا والإمارات، وأثاث مستورد من دبي أو باريس، إلى حياة الصفوف الطويلة في مراكز الإغاثة، الي التكايا، إلى تجرّع الذل في بطانيات الأمم المتحدة وحصص الغذاء الجاف اذا وجد. فبينما كان أثاثهم يُستورَّد من أرقى معارض “شانزليزيه دبي”، كانت بيوت الهامش تُبنى من خليط الطين، الحشائش الجافة، وأحيانًا بقايا الزبالة، حيث تتشارك الأسرة مأواها مع الزواحف والحشرات. الفقد، مع ذلك، يظل واحدًا: انهيار الحماية، انكسار البيت، وجرح الكرامة، فهاقد بدأت الدروس.

مفارقة الجيش والدعم السريع: الجريمة حين تعود إلى المركز
المعضلة الأخلاقية اليوم ليست فقط في إدراك الحرب متأخرًا، بل في إعادة تعريف “المجرم”. فالنخب التي صمتت طويلًا لم ترَ في قوات الدعم السريع مجرمًا حين كانت تحرق القرى في دارفور وتغتصب النساء في جبال النوبة وتُهجّر الأسر في النيل الأزرق؛ وقتها كان الدعم السريع أداة “شرعية” بقوانين الدولة، وأنّه يخدم أجندة الدولة، ويحمي امتيازاتها، ويؤمّن استمرار مركزية السلطة. لم يتحول في نظرهم إلى “عدو” إلا بعد أن تمرّد على الجيش في 15 أبريل، وكأن الجريمة لا تُعرّف بالفعل نفسه، بل بموقع الضحية وبتهديد الامتيازات.
أما الجيش، فقد ظل لعقودٍ يُقدَّم بوصفه “الوطن” و”الحامي”، بينما هو المؤسسة التي صاغت المليشيات، وأطلقت العنف المؤسس ضد المهمشين. هو الجيش ذاته الذي استند إلى الدعم من طلاب الجامعات، ودفعهم إلى “الخدمة الوطنية”، حيث انخرطوا في كتائب الدفاع الشعبي وقاتلوا كمجاهدين في حروب الإسلاميين. المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب الذين كانوا وقود تلك الحروب صاروا اليوم وقودًا لحرب جديدة يزعم الجيش أنها معركة وجود- استنفروا فرادي وجماعات!
هذا التناقض يكشف انهيار البوصلة الأخلاقية: فالوقوف مع الجيش هو الوقوف مع مؤسسة لم تتغيّر في منطلقاتها ولا في غاياتها او اساليبها، إذ لا تزال تنتج المزيد من المليشيات والمزيد من الحروب. والاصطفاف مع الدعم السريع، رغم جرائمه، لا يبرَّر إلا بمدى استعداده للانخراط في مشروعٍ تاريخي جديد قائم على الديمقراطية، العلمانية، اللامركزية، والعدالة التاريخية. لكن النخب، بدلًا من مراجعة هذا الإرث الدموي، تتمترس خلف ذواتها، وتتوهم إمكانية العودة إلى “الوضع الطبيعي” لما قبل الكارثة، أي إلى نظام يعيد إنتاج امتيازاتها القديمة ومراكز قوتها وكأن شيئًا لم يحدث!
فلسفيًا، يمكن القول إنّ الأزمة السودانية تكشف مأزق “الأنا” المتضخم الذي حذّر منه إيمانويل ليفيناس: أن يتمترس الإنسان في ذاته على حساب المسؤولية تجاه الآخر. كما تكشف فشل النخب في استثمار الألم كتجربة نيتشوية للتحول عبر “إرادة القوة” الخلّاقة، إذ فضّلت هذه النخب المكابرة والاحتيال على المعنى بدل الجرأة على التغيير. هنا يتضح أنّ الوطن لن ينهض بالتمترس وراء الحسابات الشخصية، ولا بالتباكي على الماضي، بل بإدراك أنّ التهميش الطويل استلب إرادة ملايين السودانيين، ودفع بعضهم إلى الانجرار وراء خدع الفاشية وأجنداتها، فانخرط الكثيرين في مؤسساته المدنية والعسكرية!
الوطن أكبر من هذه الحسابات الضيقة، والتجربة الشخصية مع الفقد، الغبن والالم، وأبناؤه أحوج اليوم إلى الذكاء الأخلاقي والشجاعة التاريخية: أن يُدرَك أنّ الإنسان يتغيّر، وأنّ العدالة التاريخية تقتضي الخروج من دوامة الإنكار والغبائن إلى أفق الاعتراف وإعادة التأسيس.

البعد الفلسفي: فقدان المعنى في لحظة الانكشاف
إن ما نعيشه في هذه اللحظة التاريخية يمكن قراءته عبر عدسة الفلسفة الوجودية التي صاغها جان بول سارتر في الوجود والعدم حين تحدث عن “الحرية الملعونة”؛ الحرية التي لا تمنح الإنسان اختيارًا مترفًا، بل تضعه في مواجهة مباشرة مع هشاشته، مع عُريه أمام واقع لا يرحم. ففي اللحظة التي تنهار فيها كل الضمانات – الدولة، الجيش، السلطة، الثروة، وحتى الامتيازات الرمزية – لا يبقى للإنسان سوى حريته العارية: حرية الوعي بأن لا أحد سيحميه من مصيره، وأن عليه أن يختار، وأن يتحمل مسؤولية اختياره.
النخب السودانية التي كانت تتوهم أنّ الجيش سياج الوطن، وأن الأجهزة الأمنية درعها الواقي، وجدت نفسها فجأة بلا بيت، بلا مأوى، بلا حماية. هنا، يتجلى الانكشاف كأقسى امتحان وجودي: أن يقتحم التاريخ حياتك ليس من خلال كتاب تقرأه أو خبر تسمعه، بل من خلال جندي يطردك من بيتك، أو قذيفة تدمر غرفة المعيشة التي كانت تحتضن ذكرياتك. هذه اللحظة تُعيد تعريف العلاقة بين الذات والعالم؛ فالمعنى الذي بُني على السلطة، على امتيازات المركز، على وهم “الوطن المحمي”، ينهار في لحظة ليترك الإنسان أمام فراغ مرعب.
إنها اللحظة التي وصفها مارتن هايدغر في الكينونة والزمان كـ”لحظة القلق الأصلي”؛ حين يُسحب الإنسان من اليومي المألوف ليواجه وجوده العاري. فالقلق هنا ليس مجرد شعور نفسي، بل انكشاف لعدم جدوى كل المقولات التي كانت تمنح الحياة وهم الاستقرار والامان. البيت الذي كان يُظن حصنًا يتحول إلى أنقاض، والهوية التي كانت تُختزل في الانتماء للجيش أو المركز تنكشف كقناع هشّ!
ولعل المفارقة أنّ هذا الانكشاف يساوي بين من كان يقطن بيتًا فارهًا بأثاث أوروبي وحدائق غناء، ومن كان يعيش في كوخ من الطين والحشائش. التاريخ حين يقتحم البيوت لا يفرّق بين رخام إيطالي أو جدران قشّية، بل يكشف هشاشة كل بناء مادي ورمزي إذا لم يكن مؤسسًا على عدالة ومساواة. بهذا المعنى، يصبح الألم مشتركًا، لكن الفارق الأخلاقي يكمن في الاستعداد للاعتراف: هل ترى في انكشافك فرصة للتضامن مع من سبقوك إلى العراء، أم تظل أسيرًا لإنكار يضاعف المأساة؟
إن الفقد هنا ليس فقدان البيت فقط، بل فقدان “المعنى” نفسه. والسؤال الفلسفي الأعمق هو: كيف يمكن للإنسان أن يُعيد بناء معنى جديد وسط هذا الركام؟ هل يختار إعادة إنتاج نفس البنية التي قادته إلى الخراب – جيش، سلطة مركزية، تمييز – أم يغامر بتأسيس معنى آخر قائم على الحرية الحقيقية: حرية الاعتراف بالمساواة والعدالة والإنسانية المشتركة؟
بهذا، يصبح الانكشاف ليس فقط امتحانًا للأفراد، بل امتحانًا للنخب وللوطن بأسره: إما أن يبقى في دائرة العمى الأخلاقي، أو أن يحوّل لحظة الانهيار إلى بداية وعي جديد، فهل نخب السودان مستعدة لهذا؟

دروس من التجربة الإنسانية: ذاكرة عالمية للخذلان
التاريخ الإنساني يُظهر بوضوح أن الضمير الجمعي غالبًا لا يستيقظ إلا حين تصل النار إلى المركز، إلى قلب المدن التي لطالما تخيّلت أنها محصنة.
– أمريكا بعد إعصار كاترينا (2005): فجأة اكتشف المواطن الأبيض في نيو أورلينز أن الفقر والهشاشة يمكن أن يطرق بابه، بعدما ظل لزمنٍ طويل ينظر إلى السود والفقراء كـ”آخرين” يعيشون في عالم منفصل. الكارثة الطبيعية لم تميز بين الأجساد، بل كشفت ضعف البنية الاجتماعية ومحدودية الامتيازات أمام قوة الطبيعة.
– الجزائر في العشرية السوداء (التسعينيات): مذابح القرى كانت تُرى كأحداث “بعيدة”، حتى جاءت التفجيرات إلى قلب العاصمة، ليكتشف سكانها أن العنف الذي تغاضوا عنه صار يطاردهم في شوارعهم.
– رواندا (1994): حين بدأ خطاب الكراهية في القرى، استهانت به الطبقة الوسطى في كيغالي. لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن هذا الخطاب سيقتحم منازلهم هم أيضًا، فوجدوا أنفسهم مطاردين في الشوارع التي كانت تبدو بالأمس القريب محصنة.
– سوريا بعد 2011: لأعوام، ظن سكان دمشق وحلب أن الحرب شأن يخص الأطراف “الفقيرة”، لكن حين انهمرت البراميل المتفجرة على الأحياء الراقية، انهار وهم المسافة الفاصلة بين “المناطق الآمنة” و”مناطق الآخرين.”
الأدب أيضًا يعلّمنا هذا الدرس. في رواية ألبير كامو “الطاعون”، لم يستوعب سكان مدينة وهران الكارثة إلا بعد أن صارت الشوارع مليئة بالجثث، وظلوا يتعاملون مع الوباء كخبرٍ خارجي حتى صار جزءًا من حياتهم اليومية. وكذلك في مدام بوفاري لفلوبير، نجد نقدًا عميقًا للذهنية التي تتهرب من مواجهة واقعها حتى تقع في صدمة الحقيقة المتأخرة.
وفي السودان، يتكرر المشهد على نحو أكثر مأساوية. النخب المركزية ظنت لزمن طويل أن الحرب تخص الأطراف: دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق. تجاهلت أن هذه الحروب ليست “نزاعات محلية” كما يشاع، بل تعبير عن بنية الدولة نفسها. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يُقال اليوم هو إن حرب السودان “بدأت” مع الاقتتال بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023. هذه ليست البداية، بل هي اللحظة التي انقلبت فيها المأساة إلى مرآة تعكس فشل الدولة في قلب الخرطوم. الحرب بدأت منذ عقود، حين اعتُبر الدم في الأطراف دمًا رخيصًا، وحين قُدّم الجيش كرمز للوطنية بينما كان يمارس العنف المُأسس ضد مواطنيه.
الخطر في هذا الاعتقاد ـ أن الحرب بدأت للتو ـ أنه يبرئ التاريخ من دمائه السابقة، ويحوّل المأساة إلى حادث طارئ بدلاً من أن يُفهم كذروة مسار طويل من العنف والتهميش. إنه وهم يُبقي الضمير في حالة إنكار، بدل أن يدفعه إلى مواجهة الجذور البنيوية للأزمة السودانية.

نحو أخلاقية جديدة: بين العدالة التاريخية والاعتراف

الحروب في السودان ليست مجرد صراعات سياسية أو تنافس على السلطة، بل هي ــ كما يقول بول ريكور عن الذاكرة المجروحة ــ “لئيمة” في بنيتها، لأنها تستبطن الخيانة للأخلاق وللوطن في آن واحد. فمنذ الاستقلال، ارتكبت مختلف القوى المسلحة، سواء الجيش أو المليشيات المتعددة، ما يندى له الجبين من جرائم ضد المدنيين: قتل، اغتصاب، حرق قرى، وتشريد جماعي. ليست هذه مجرد أحداث معزولة، بل هي بنية متكررة من العنف المُأسس، تفضح الطبيعة العميقة للدولة المركزية التي جعلت من “الأمن” ذريعة للجرائم، ومن “الوطنية” غطاءً لطمس الضحايا.
وقد آن الأوان لفهم الجذور والدوافع التي جعلت هذه الجرائم ممكنة ومستمرة. كما بيّن فرانتز فانون، فإن الاستعمار يترك أثرًا طويل الأمد حين يتحول المستعمَر إلى أداة يستنسخ بها خطاب المستعمِر ضد إخوته، فيعيد إنتاج القمع. الأمر نفسه حدث في السودان: مجتمعات مهمشة جرى استلاب إرادتها، فوجدت نفسها منخرطة في مؤسسات دولة تحمل أيديولوجيا قمعية توجهها ضد مهمشين آخرين. ما حدث في جبال النوبة أو دارفور أو الجنوب سابقًا لم يكن مجرد “حرب أهلية”، بل ترجمة لمشروع المركز الذي سخّر الجيش والمليشيات كأذرع لقمع “الآخر الداخلي.”
الجيش، الذي ظل يُقدَّم كرمز للوطنية، لم يكن سوى الحاضنة الكبرى للعنف المؤسسي. وكما أشار حنا أرندت في تحليلها “لتفاهة الشر”، فإن الطاعة البيروقراطية والتسويغ الأيديولوجي يحوّلان الأفراد إلى أدوات قتل بلا ضمير. هكذا تحوّل طلاب الجامعات إلى “مجاهدين” في الدفاع الشعبي تحت راية “الجهاد”، وهكذا تحولت الخدمة الوطنية إلى جسر يربط النخب نفسها بآلة القتل التي زعمت أنها تدافع عن الوطن.
لكن المفارقة اليوم أن الدعم السريع ــ الذي ارتكب جرائم واسعة بحق المدنيين ــ يجد نفسه وقد عاد إلى حواضنه الاجتماعية في الهامش، وأدرك أن لا مخرج له ولا لهذه المجتمعات، بل ولا للسودان كله، إلا بتقويض مشروع المركز والجيش الذي صنعه ليخدمه. هذا الوعي، مهما كان متأخرًا ومتناقضًا، يطرح سؤالاً فلسفيًا أخلاقيًا: هل يمكن أن يتحول “أداة القمع” إلى حامل لمشروع تحرري حين يدرك أن استمراره مرهون بهدم البنية التي أنتجته؟
هنا تبرز الحاجة إلى ما يسميه إيمانويل ليفيناس “أخلاقية المسؤولية أمام وجه الآخر”، أي أن نكفّ عن النظر إلى الضحايا كـ”أرقام” أو “أطراف بعيدة”، وأن نصغي إلى وجوههم بوصفها نداءً يتجاوزنا. والعدالة التاريخية في هذا السياق لا تعني محاكمة الأفراد فقط، بل إعادة صياغة الوعي الجمعي على أسس جديدة: مساواة حقيقية، علمانية تفصل الدين عن الدولة، واعتراف بكرامة الضحايا الذين سبقوا الخرطوم إلى المقابر، وحزمة من التغييرات القائمة على التمييز الإيجابي ومشاريع متقدمة تطال من التعليم والاعلام الي الخدمة المدنية…الخ…
فالسودان لن ينجو من لعنة التكرار إلا إذا تجاوز الإنكار والمكابرة، وواجه حقيقة أن الدم واحد، وأن الوطن لا يقوم على جيوش تمتلك الدولة، بل على دولة عادلة ترد الاعتبار لجميع أبنائها.

اخيرا: البيوت التي سقطت، والبيوت التي ستُبنى
سواء كان البيت قصرًا بأثاث أوروبي أو كوخًا من القش والزبالة، فإن الخراب يوحّد الألم. لكن ما يفرّق هو الاعتراف: هل ستظل النخب أسيرة إنكارها، أم ستبني بيوتًا جديدة ــ بالمعنى الرمزي والسياسي ــ قائمة على التواضع، على المساواة، وعلى أن الوطن لا يُبنى بأجهزة الأمن والجيش، بل بالاعتراف بالهامش كجزء أصيل من الكيان؟
إن مشروع السودان الجديد، كما تجسد في رؤية تأسيس، هو المخرج الوحيد من هذا المأزق التاريخي. فالتباكي على الأطلال لن يشفع للوطن، ولا جدوى من محاولة ترميم بيوت الاستعلاء القديمة بأدواتها المتهالكة. ما ينقذ السودان ليس
nostalgia
الماضي، بل تأسيس دولة جديدة، تُبنى على أسس العلمانية، العدالة التاريخية، واللامركزية، حيث لا يعود الهامش تابعًا بل شريكًا كاملًا في صياغة المصير.
وكما قال الشاعر الأمريكي لانغستون هيوز: “ما لم أحلم به أنا، لا يمكن أن يكون وطنًا لك.”
الحلم الذي كان مؤجلاً في الأطراف، أصبح الآن ضرورة وجودية للجميع، ومشروع السودان الجديد هو الترجمة السياسية والأخلاقية لهذا الحلم.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والاليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!