رأي

فساد الإخوان المسلمين في السودان وصناعة الشائعات لتضليل الرأي العام

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين 

مقدمة

منذ انقلاب 30 يونيو 1989، حكمت الحركة الإسلامية السودانية (الإخوان المسلمون، أو الكيزان) البلاد عبر منظومة شمولية جمعت بين الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي، معتمدة على خطاب ديني لتبرير القمع والنهب. لكن بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم لمعظم عائدات النفط، واجه النظام أزمة اقتصادية خانقة وانكشافاً أكبر لفساده. هنا برز سلاح قديم متجدد: صناعة الشائعات الغريبة لإلهاء الرأي العام عن الأزمات الحقيقية.

هذه الاستراتيجية لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل سياسة ممنهجة لجعل المواطن السوداني مشغولاً بقصص مثيرة، بعيداً عن التفكير في أسباب الغلاء، تدهور الجنيه، والفساد الكبير.

أولاً: الشائعات بعد الانفصال – نماذج بارزة

1. قصة القنافد المليارية (2011–2012)

مع بداية الانهيار الاقتصادي بعد فقدان 75% من موارد النفط، انتشرت إشاعة أن القنافد تُباع بمبالغ خرافية بالدولارات لجهات أجنبية تستخدمها في “أغراض طبية”.

عشرات المواطنين خرجوا لصيد القنافد في الخرطوم والأرياف، حتى صار المشهد حديث الشارع.

بينما كان الإعلام مشغولاً بهذا “الاكتشاف العجيب”، كانت الحكومة تمرر زيادات في أسعار الوقود والسلع الأساسية دون نقاش جاد.

2. الكلاب المسعورة (2012–2013)

ظهرت أخبار مكثفة في الصحف الرسمية حول “انتشار كلاب مسعورة تهدد حياة المواطنين في العاصمة”.

التوقيت لم يكن بريئاً: فقد تزامن مع موجة احتجاجات واسعة ضد رفع الدعم عن المحروقات وزيادة أسعار الخبز.

بدلاً من أن يكون النقاش حول فشل السياسات الاقتصادية، تحول إلى خوف جماعي من “غزو الكلاب”.

3. المكواة بالزئبق الأحمر (2013–2014)

في أوج تدهور قيمة الجنيه السوداني، انتشرت إشاعة أن بعض المكواة القديمة تحتوي على “زئبق أحمر” نادر يُباع بمبالغ طائلة.

تداول الناس المكواة في الأسواق بأسعار غير معقولة، وأصبح الموضوع مسيطراً على الأحاديث الشعبية.

خلف الستار، كان النظام يمرر قرارات اقتصادية جديدة ويستمر في خصخصة المؤسسات ونهب موارد الذهب.

4. “التسعة طويلة” (ما بعد 2019)

بعد سقوط نظام البشير واندلاع مرحلة انتقالية، ظهر مصطلح “التسعة طويلة” لوصف عصابات إجرامية في الشوارع.

رغم أن بعض هذه العصابات كانت حقيقية، فإن الكيزان استغلوها كأداة سياسية لتشويه صورة الثورة والحكومة المدنية، ولإيصال رسالة أن “زمنهم كان أأمن”.

ثانياً: ملامح استخدام الشائعات كسلاح سياسي

توقيت محسوب: كل شائعة كانت تظهر في لحظة أزمة اقتصادية أو احتجاج سياسي.

انتشار منظم: الإعلام الرسمي والصحف الموالية كانت تتبنى القصة وتنشرها بتكرار مبالغ فيه.

إشغال العقول: تحولت القنافد والكلاب والمكاوي إلى قضايا شعبية مثيرة للنقاش، بينما القضايا الجوهرية – الفساد، انهيار الاقتصاد، جرائم القمع – غابت من المشهد.

توجيه الانتباه: كلما ارتفعت أصوات تطالب بالإصلاح، أُطلقت قصة جانبية تثير الضحك أو الخوف أو الطمع.

ثالثاً: الفساد والجرائم خلف ستار الشائعات

1. نهب الموارد بعد الانفصال

بعد 2011، ومع فقدان عائدات النفط، لجأت الحكومة إلى التوسع في استخراج الذهب. لكن معظم العائدات لم تدخل خزينة الدولة، بل ذهبت إلى شركات أمنية وعسكرية تابعة للنظام.

في ذات الوقت، انتشرت الشائعات (القنافد والمكواة) لتغطي على فضائح هذه الشركات.

2. قمع المظاهرات (2012–2013)

خرج آلاف السودانيين احتجاجاً على الغلاء ورفع الدعم. قُتل العشرات واعتُقل المئات.

في نفس الأيام، كان الإعلام يضج بقصة “الكلاب المسعورة”، في محاولة لصرف الأنظار عن الدم المسفوك في الشوارع.

3. اغتيالات وتصفية الطلاب

بين 2011 و2018، قُتل عدد من الطلاب خاصة من أبناء دارفور في الجامعات، بسبب نشاطهم السياسي.

في كل مرة كان الإعلام الرسمي يقلل من شأن الحادثة أو يصفها بأنها “خلاف طلابي”، بينما تخرج إشاعات جديدة في الأسواق لإغراق الرأي العام.

4. الفساد المؤسسي

بيع مؤسسات استراتيجية (مثل سودانير) واستنزاف مشروع الجزيرة، كلها جرت في الظل.

هذه القضايا لم تنل نصيبها من النقاش الشعبي لأن الرأي العام كان منشغلاً بقصص غريبة كالزئبق الأحمر.

رابعاً: ما بعد الثورة – استمرار النهج بوسائل جديدة

حتى بعد سقوط النظام في 2019، لم يتوقف الكيزان عن استخدام ذات الأدوات:

عبر وسائل التواصل، ضخّوا شائعات عن “فشل الحكومة المدنية”، وربطوا كل حادثة أمنية بـ”التغيير”.

استغلوا حالة الفوضى وصعود العصابات لتبرير خطابهم بأن “زمن البشير كان أكثر أماناً”.

أعادوا إنتاج استراتيجية التضليل، لكن هذه المرة خارج السلطة المباشرة، عبر حملات إلكترونية ومنصات إعلامية واجهة.

خامساً: أثر الشائعات على المجتمع السوداني

1. تشتيت الوعي: انشغل المواطنون بأحاديث عن قنافد ومكاوي، بدلاً من مواجهة أسباب انهيار الاقتصاد.

2. إشاعة الخوف والهلع: من الكلاب إلى العصابات، استُخدم الخوف كسلاح سياسي.

3. نشر ثقافة الطمع: قصص المكواة والقنافد غذّت وهم “الثراء السريع”، وهو ما أضعف التفكير النقدي.

4. تعطيل المقاومة الشعبية: كلما برزت احتجاجات، جاء diversion story (قصة إلهاء) لتخفيف الزخم الشعبي.

سادساً: دروس وعبر

الوعي هو السلاح الأول: التجارب أثبتت أن كشف الشائعات يضعف مفعولها بسرعة.

الإعلام المستقل ضرورة: لو كان هناك إعلام حر قوي، لما مرّت هذه الخدع بسهولة.

التاريخ يوثق: يمكن اليوم ربط كل شائعة بحدث اقتصادي أو سياسي حقيقي، مما يفضح عقلية الكيزان في إدارة الدولة.

خاتمة

ما بين القنافد والكلاب المسعورة والمكواة بالزئبق الأحمر، وصولاً إلى “التسعة طويلة”، يتضح أن الإخوان المسلمين في السودان لم يحكموا فقط بالقمع والفساد، بل أيضاً بالتضليل المتواصل. كانوا يعرفون أن الشعب إذا التفت إلى جرائمهم سيسقطهم، لذلك أغرقوه في بحر من الشائعات.

غير أن هذه الحيل لم تنجح طويلاً. فالثورة الشعبية عام 2018–2019 كشفت أن الوعي الجمعي يمكن أن يهزم التضليل، وأن الشعب السوداني، برغم سنوات الكذب، لا يزال قادراً على التمييز بين الحقيقة والزيف. والتاريخ سيسجل أن نظام الكيزان لم يسقط فقط بسبب فساده، بل أيضاً لأنه استهان بذاكرة الناس وعقولهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!