رأي

الجذرية البراغماتية.. قراءة في زيف التحالف الإسلاموشيوعي

د. خالد تارس

د. خالد تارس

في السياسة عموماً لا شيء أكثر خطورة من لحظة سقوط الأقنعة، وما يحدث اليوم بين الحزب الشيوعي السوداني والأصوات الإسلاموية، ربما يكشف عرضاً سينمائياً غير مسبوق، تحالف (إسلاموشيوعي).. يتشكّل على أنقاض من القناعات الفكرية القديمة، ليفضح كيف يمكن أن تنهار كل الشعارات الزائفة حين يشتدّ الخناق.

القصة بدأت أكثر دراماتيكية، حين تقدّم الحزب العجوز بخطاب رسمي لمحلية ام درمان يطلب من مديرها التنفيذي تسليم دار الحزب عبر القنوات الإدارية، لكن سرعان ما تحوّل هذا الإجراء الروتيني إلى حدث سياسي صاخب تناولته وسائل الاعلام بشراهة، خاصة بعدما وصفت القيادية الإخوانية سناء حمد هذه الخطوة بأنها فرصة لبناء جبهة لمواجهة التهديدات (الوجودية).. في هذه اللحظة تحديداً انقلبت الطاولة رأساً على عقب، ان الحزب الشيوعي الذي ظلّ لعقود خصماً عقائدياً للإسلامويين، يجد نفسه بين يوم وليلة موضع ثناء وتقدير، وتزكية من رموز اسلاموية كانت حتى الأمس القريب تتهمه بالعمالة والكُفر والإلحاد.!

لغة الكوزة سناء حمد لم تكن مجرد تصريحات عابرة، فقد ذهبت بعيداً في تعداد مزايا الحزب الشيوعي، ووصفته باول حزب عقائدي نأى بنفسه عن (الطائفية) واول حزب يمتلك قانوناً ولوائح تنظيمية، حيث تتم عملية انتخاب السكرتير العام للحزب بشكل ديمقراطي، ايضاً هو الحزب الذي يمتلك منتوجاً ثقافياً وندوات سياسي مفتوحة ومكتب عسكري وقياداته نسوية. خطاب كهذا لم يجرؤ على إطلاقه حتى أكثر الإسلاميين اعتدالًا، وما قالته سناء حمد عن الشيوعي لم يقلة علي كرتي في حركة حماس، فلم ينتهي حديثها بالغزل السياسي، بل عددت ملامح التكوين والتشكيلات التنظيمة بين حركة الاخوان والشيوعيين لدرجة انتقال أعضاء من هنا وهناك كياسين عمر الامام، وتبرر سناء ان الحرب الجارية تفترض تقارباً واضحاً بين الاسلامويين والشيوعيين يبدا بمساندة الجيش وبناء تحالف وطني (عاقل).. يبدو واضحاً ان تصريح سناء حمد يشير الي تحوّلات عميقة في خطاب الإسلامويين، الذين باتوا يرون في الشيوعيين حليفاً اضطرارياً لا غنى عنه في لحظة الانهيار الشامل. ولا غرابة لو سمع الناس بالكتائب الحمراء اسوةً بالكيكلاب والبراءون، فالشيوعي ذات نفسه مثقلاً بالعنصرية والامراض السياسية، في هذه اللحظة طبيعي جداً ان تلتقي الزميلة هنادي صديق بالكوزة سناء حمد.

التحالف الاسلاموشيوعي لم يتوقف عند دعوة سناء حمد، فقد رحّب ايضاً قائد كتيبة البراء مصباح طلحة، بموقف الحزب الشيوعي واعتبروه دعماً مباشراً للقوات المسلحلة والمجموعات المساندة لها. وبذلك اتضح أن التحالف الوليد ليس تحالف الصدفة، بل مسعى منظم لخلق جبهة سياسية تتستر بواجهة فكرية متنوعة، بينما جوهرها الاساسي هو اصطفاف مناطقي لمجموعات بعينها خلف المؤسسة العسكرية كضامن وحيد لبقاء مصالحهم السياسية والاجتماعية.

لكن الحقيقة الأكثر مرارة، أن هذا المشهد العبثي يكشف إفلاس الخطاب الأيديولوجي في السودان ويكشف زيف الفكره، فالإسلاميون الذين بنوا مشروعهم على مواجهة الشيوعية يمدون اليوم جسور التحالف مع الخصم التاريخي، والشيوعيون الذين ظلوا يرفعون شعارات التحرر والعدالة الاجتماعية ويدعون الى الخلاص والتغيير (الجذري)، يجدون أنفسهم اليوم في خندق واحد مع القوى التي ظلوا يتهمونها بالاستبداد والفساد لثلاثين عاماً. وتبقى النتيجة هي انهيار الحدود الفاصلة بين الخصومة والتحالف، وتحوّل الأيديولوجيا إلى مجرد ورقة تفاوضية تضمن مصالح الاثنين.!

ان السؤال المفروض هنا، هل نحن أمام تحالف إستراتيجي يعكس مراجعة فكرية عميقة، أم مجرد اصطفاف انتهازي فرضته ظروف الحرب والانهيارات.؟ وما نراه على الأرجح هو تحالف الضرورة والمراحل، تحالف لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي للمصالح المتناقضة، فمن اعتادوا على مبارزه السيوف على بعضهم، لن يطيلوا الصمود على الخنادق. حيث يمكن القول إن (الإسلاموشيوعية) المرتقبة ليست مشروعاً وطنياً بقدر ما هي اعترافاً صريحاً بأن السياسة في السودان لم تعد تحكمها المبادئ، بل الخوف من السقوط في الفراغ، وهو اعتراف خطير، لأن القوى التي تزعم قيادة الشارع لفترة من الزمان لا تزال تتعامل مع البلاد كغنيمة لا دولة، وسقوط القناع في هذه الحالة لا يفضح فقط تناقضات الإسلامويين والشيوعيين، بل يكشف زيف المواقف وحجم الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالمشهد السياسي السوداني عموما.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!