رأي

لم ولن توحّدنا الحرب بل الخسارة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

في غرب السودان، لا تزال الرياح تجرّ خلفها أصوات الذين رحلوا.

المدن هناك تعرف رائحة الدخان أكثر من رائحة المطر،

وتحفظ أسماء المخيمات أكثر مما تحفظ أسماء القرى.

غربٌ وافر الثروات، عميق الجراح، متنوع الأوجه،

لكنه الإقليم الوحيد الذي يسكن نصف أهله المعسكرات،

كأن اللجوء صار هوية، وكأن الفقد صار قَدَرًا لا يُستبدل.

ما من إقليمٍ في السودان قيل إن أبناءه ضد بعضهم إلا الغرب.

لم يكن ذلك تاريخنا، بل صناعة سياسية دقيقة بدأت مع حكومة الإنقاذ،

عندما قررت أن أقصر الطرق إلى السيطرة هو تفكيك النسيج الذي كان يومًا أقوى من الفولاذ.

فجعلت من القبيلة سلاحًا، ومن العرق حدودًا، ومن الطين جدارًا يفصل الجار عن جاره.

تسلّلت الخلافات إلى الحقول والآبار والمدارس،

حتى صار الثأر لغة السياسة الوحيدة في أرضٍ كان يُفترض أن تتكلم بلغة الذهب والزراعة.

لكنّ الغرب، برغم ما فُعل به، لم يمت.

فهو الإقليم الذي لو اجتمعت ثرواته لنهض السودان كله من كسوره.

في ترابه ينام الذهب واليورانيوم، وتتنفس الأرض صمغها العربي،

وتعدّ المراعي فيه ما يكفي لتغذية القارة بأسرها مرتويةً من حوضها النوبي العظيم.

إقليمٌ يملك ما يُطعم نصف إفريقيا، لكنه عاجز عن إطعام أطفاله أمباز.

أليس في ذلك مفارقة تُضحك بمرارة؟

إنها الثروة عندما تُختطف باسم الوطنية،

والتنمية حين تُوزع على الخرائط وفق مزاج الساسة لا وفق حاجة الإنسان.

لقد أُريق الدم كثيرًا، واختلطت الأرض بالدموع حتى جفّ النيل من وجعها.

من دارفور إلى كردفان، لا بيت إلا وله شهيد أو مفقود أو نازح.

ومع كل حربٍ تُعلن نهايتها، نكتشف أنها كانت البداية فقط لصراعٍ آخر.

وكأن الغرب قد كُتب عليه أن يدفع الفاتورة مرتين،

مرة عندما يُهاجم، ومرة حين يُتّهم بأنه هو من أشعل النار.

لكن إلى متى؟

هل سنظلّ نعدّ موتانا وننتظر سلامًا يأتي من الخارج؟

أم نكتب نحن صيغتنا الخاصة، بأيدينا، وبدموعنا، وبما تبقّى من حُلم؟

لقد آن الأوان أن نتوحّد.

أن يفهم أبناء الغرب أن خصمهم الحقيقي ليس القبيلة المجاورة،

بل الفقر الذي صنعه الفساد، والتهميش الذي صار سياسة،

والحكومات التي رأت في الإقليم خزانًا للثروة لا لساكنيه.

إن الوحدة هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل ضرورة بقاء.

فعندما يتوحد أبناء الغرب، لن يكونوا مجرد ضحايا في الأخبار،

بل صُنّاع قرارٍ في وطنٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من الشقوق.

كثير من الأمم نهضت من ضعفها واختارت الوحدة بدل الثأر.

رواندا، التي كانت عنوانًا للإبادة، صارت اليوم نموذجًا في التنمية والمصالحة.

وفيتنام التي أُحرقت بالحرب، أصبحت تدرّس العالم دروس الاقتصاد والكبرياء.

حتى سيراليون وليبيريا، اللتان تمزّقتا عقدين بالحرب الأهلية،

اختارتا أن تضعا السلاح وأن تبنيا المدارس بدل المقابر.

فما الذي يمنع الغرب من أن يفعل ذلك؟

أليس فينا عقلاء، وأمهات شبعن من دفن الأبناء؟

وهنا، يجيء دور النساء — لا كمتفرجات، بل كقائداتٍ لجيلٍ جديد.

لقد بكينا كثيرًا على الأزواج والأبناء،

وحملنا السلاح دفاعًا عن منازل لم يبق منها إلا الجدران.

لكن ربما آن الأوان لنعيد تعريف الشجاعة.

الشجاعة ليست في إطلاق النار، بل في كبحه.

ليست في أن نحمل البنادق، بل في أن نحمل الرجال الذين ربيناهم على قيم الحياة لا القتل.

دعونا نقف خلفهم، لا كذكور تقاتل، بل كرجالٍ في الموقف والفكر،

رجالٍ من طين الأرض وصدق النية، يبنون لا يهدمون.

الإقليم الذي فُتّت عمدًا يمكن أن يُعاد لحمه بإرادة أهله.

ليبدأ أبناء الغرب من حيث انتهى الآخرون:

بمصالحة صادقة لا وسطاء فيها،

وبمشاريع تنموية تستفيد من الذهب والصمغ والمياه لا من العنف والدماء،

وبوعيٍ جمعيٍ جديدٍ يرى في الوحدة طريق الخلاص لا وسيلة التنافس.

عند توحّد الغرب، سيشفى جرح السودان.

لأن الغرب ليس أطراف الوطن، بل قلبه الذي نزف طويلًا.

سلامه هو سلام السودان، ونهضته هي نهضته.

فلنمدّ أيدينا إلى بعض، دون أن نسأل من أي قبيلة جئنا،

ودون أن ننتظر من الخرطوم أو من الخارج أن يمنحونا الإذن لنحيا.

لتكن هذه المرة مختلفة.

لن توحّدنا الحرب، لكن يمكن أن توحّدنا الخسارة.

ولن تُعيدنا البنادق، بل الأيدي النظيفة التي تبني.

فلنعد إلى أنفسنا أولاً، ثم إلى أرضنا، ثم إلى بعضنا.

وعندها فقط، سيُشفى السودان، لأن الغرب قد قرر أن ينهض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!