
نجم الدين دريسة
منذ نشأتها في الحقبة الاستعمارية، لم تُفلح الأحزاب السودانية في التحول إلى مؤسسات سياسية راسخة تُدار ببرامج واضحة ومشروعات وطنية شاملة. فمعظمها تأسس في الأصل كأداة لمناهضة الاستعمار، لكنها سرعان ما تحولت إلى امتدادٍ لطوائف دينية أو مدارس أيديولوجية ضيقة، وظلّت تعاني هشاشة بنيوية وفكرية منذ لحظة التكوين.
بعد جلاء الاستعمار، كان يُنتظر من هذه الأحزاب أن تقود عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة، لكنها وقعت في فخاخ الذاتية والارتهان للزعامات الكاريزمية. فبقي رؤساء الأحزاب في مواقعهم عشرات السنين، وكأنها ملكيات خاصة، تُرفع فيها شعارات الديمقراطية لفظًا وتُغيب ممارسةً. تحولت الساحة الحزبية إلى جزر معزولة، تنادي بالإصلاح والحرية بينما تعجز عن تطبيقها في أبنيتها الداخلية.
جوهر الإشكال أن هذه الأحزاب لم تُبنَ على أساس برامجي مؤسسي، بل على روابط ولاء طائفي أو تبعية أيديولوجية صارمة: حزب الأمة ظل أسير الإرث الأنصاري، والاتحادي الديمقراطي مكبلاً بالمرجعية الختمية، والحزب الشيوعي محصورًا في أسر الماركسية الجامدة، فيما بقيت الأحزاب العروبية أسيرة الانتماء القطري الضيق، والأحزاب الإسلامية رهينة للتصورات الثيوقراطية. هذه القيود عطّلت قدرتها على التجديد والانفتاح على المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية.
والنتيجة أن المشهد الحزبي السوداني ظل مرادفًا للتشظي والانقسامات المتكررة، في غياب رؤية استراتيجية جامعة تستجيب لمقتضيات الدولة الحديثة. انكشفت الأحزاب أمام جماهيرها، وتحوّل كثير منها إلى أدوات للصفقات السياسية وتوزيع الغنائم، بدل أن تكون منصات للتنوير والوعي. بعضُها أصبح رهينة لأجندات خارجية، والبعض الآخر مجرد واجهات لزعماء تقليديين، بينما المواطن السوداني يرزح تحت ثقل الحروب والأزمات المعيشية.
إذا كان للسودان أن يتجاوز أزماته المزمنة، فلا بد من إصلاح جذري في بنية الأحزاب نفسها. الإصلاح يتطلب مراجعة جذرية لمراحل التكوين الأولى، والانفكاك من القيود الطائفية والأيديولوجية التي كبّلت مسيرتها، وإعادة بناء العمل الحزبي وفق قوانين عصرية ودستور قومي يضمن المؤسسية والشفافية والمحاسبة. وحدها الأحزاب المتحررة من عقلية الغنيمة، والمستندة إلى رؤية وطنية شاملة، يمكن أن تتحول إلى رافعة للتحول الديمقراطي والحكم الراشد.



