
عبدالله محمد عبدالله
تُقاس قوة الجيوش الحديثة اليوم بما تمتلكه من قدرات بشرية ومؤسسية بقدر ما تُقاس بما تملكه من عتاد وسلاح. فالتجارب العسكرية المعاصرة أثبتت أن المقاتل ليس مجرد رقم في معادلة الحرب، بل هو رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة عسكرية، وأن الحفاظ على حياته وصحته وقدرته على الاستمرار في أداء واجبه يمثل أحد أهم مؤشرات الكفاءة والجاهزية القتالية.
ومن هذا المنطلق، لم يعد النظام الصحي العسكري مجرد مرفق خدمي تابع للقوات المسلحة، بل أصبح جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن القومي، وعنصراً استراتيجياً في بناء الجيوش القادرة على الصمود والاستمرار. فالدول المتقدمة تولي مؤسساتها الطبية العسكرية اهتماماً استثنائياً، حتى أصبحت بعض مستشفياتها من بين أفضل المؤسسات العلاجية والبحثية في العالم، وتحوّلت إلى مراكز لتطوير العلوم الطبية والتدريب والتأهيل وإدارة الأزمات والكوارث.
وتقوم البنية الطبية العسكرية الحديثة على ركيزتين أساسيتين متكاملتين.
الركيزة الأولى هي الوحدات الطبية الميدانية، التي تمثل خط الدفاع الأول عن حياة المقاتلين في مناطق العمليات. وتتميز هذه الوحدات بسرعة الحركة والقدرة على الانتشار في مختلف البيئات، حيث ترافق القوات في مواقعها وتوفر الإسعافات العاجلة والتدخلات الطبية الأولية خلال الدقائق والساعات الحرجة التي تحدد في كثير من الأحيان مصير المصاب. وقد أثبتت الدراسات العسكرية أن سرعة الاستجابة الطبية في ما يُعرف بـ”الساعة الذهبية” قادرة على خفض معدلات الوفيات والإعاقات بشكل كبير، مما يجعل هذه الوحدات جزءاً لا يتجزأ من النجاح العملياتي لأي قوة عسكرية.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في المستشفيات العسكرية التخصصية، التي تشكل العمق الاستراتيجي للمنظومة الصحية العسكرية. فهذه المؤسسات لا تقتصر وظيفتها على استقبال الحالات المحولة من الميدان، بل تضطلع بأدوار أكبر تشمل الجراحات المتقدمة، والتأهيل البدني والنفسي، والخدمات التشخيصية، والتدريب الطبي، وإعداد الكوادر الصحية العسكرية. كما تؤدي دوراً مجتمعياً مهماً من خلال تقديم الخدمات الطبية للعسكريين وأسرهم، والمساهمة في دعم المجتمعات المحلية المحيطة بها، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات الصحية.
إن الحديث عن بناء قوات تأسيس حديثة وقادرة على الاضطلاع بمهامها الوطنية لا يمكن أن ينفصل عن بناء مؤسسة طبية عسكرية متكاملة. فالقوة العسكرية التي تفتقر إلى نظام صحي فعال تظل معرضة لاستنزاف مواردها البشرية، مهما امتلكت من إمكانات قتالية. وفي المقابل، فإن وجود منظومة طبية متطورة يعزز الروح المعنوية للمقاتلين، ويرسخ الثقة داخل المؤسسة العسكرية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن حياة الإنسان وكرامته تحتلان موقعاً متقدماً في أولويات القيادة.
كما أن الاستثمار في البنية الطبية العسكرية يمثل استثماراً في الاستقرار المجتمعي ذاته، لأن المستشفيات العسكرية لا تكون في كثير من الأحيان مؤسسات مغلقة، بل تتحول إلى روافد مهمة للخدمات الصحية الوطنية، وإلى أدوات فاعلة في الاستجابة للكوارث والطوارئ والأزمات الإنسانية.
إن المرحلة الراهنة تفرض التفكير في المستقبل أكثر من الانشغال بمتطلبات اللحظة. ولذلك فإن تأسيس مستشفيات عسكرية ميدانية وتخصصية، وتأهيل الكوادر الطبية، وتوفير المعدات الحديثة، وبناء نظام للإخلاء والعلاج والتأهيل، ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع بناء المؤسسة العسكرية الجديدة. فالجيوش تُبنى بالسلاح والتدريب والانضباط، لكنها تترسخ وتستمر عندما تجعل الإنسان محور اهتمامها الأول.
وعندما تمتلك قوات تأسيس منظومة طبية عسكرية متكاملة، فإنها لا تؤسس لمستشفيات فحسب، بل تؤسس لثقافة مؤسسية جديدة ترى في حماية الإنسان وحفظ حياته أساساً للقوة ومصدراً للشرعية والثقة والاستقرار.




