
عباس احمد السخي
في مشهد يختزل عمق المأساة السودانية الراهنة، جاء قرار تعيين المدعو حسن أحمد محمد حمرون مديرًا لتعليم محلية كسلا ليعيد فتح جراح لم تندمل بعد، وليضع الجميع أمام حقيقة مرة: أن دماء الشهداء ما زالت تُداس على عتبة السلطة. فالرجل لم يكن مجرد موظف عادي، بل هو من استدرج الشهيد البطل الاستاذ أحمد الخير يوم 27 يناير 2019، لتبدأ فصول واحدة من أبشع الجرائم في ذاكرة السودانيين: اعتقال مهين، تعذيب وحشي، واغتصاب، انتهت باستشهاد الخير في 2 فبراير 2019.
لقد شكلت محاكمة الجناة حينها محطة فارقة في مسار ثورة ديسمبر المجيدة، حين أصدرت المحكمة حكمها بالإعدام شنقًا بحق (27) عنصرًا من جهاز الأمن، في إشارة إلى أن العدالة قادرة على أن تنتصر ولو جزئيًا. غير أن الحكم ظل معلقًا حتى اليوم، لم ينفذ ولم يُطوَ، ليأتي قرار تعيين حمرون بمثابة إهانة مضاعفة لذكرى الشهيد، وصفعة قاسية لذوي الخير، ولكل السودانيين الذين خرجوا طلبًا للحرية والسلام والعدالة.
هذا التعيين لا يمكن عزله عن السياق السياسي الأشمل. فمنذ لقاء البرهان بمبعوث الرئيس الأمريكي في زيورخ، انخرطت السلطة الانقلابية في موجة تعيينات وإعادات تموضع كشفت بجلاء عن إصرارها على إعادة تمكين عناصر الحركة الإسلامية والأمن الشعبي في مفاصل الدولة. والبرهان، سواء كان منفذًا مطيعًا لمخططات الإسلاميين أو مجرد واجهة هشة تحركها الأيادي الخفية، يرسخ في الحالتين صورة القائد الذي خان ثورة شعبه، ووقف سدًا منيعًا أمام التحول الديمقراطي الذي كان يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا للسودان.
إن تعيين قاتل شهيد الثورة في منصب تربوي يتصل مباشرة بصناعة وعي الأجيال ليس مجرد هفوة إدارية، بل هو رسالة سياسية صارخة: دولة الانقلاب ماضية في طريقها دون اعتبار لدماء الشهداء ولا لآمال الشعب. إنه إعلان صريح بأن الثورة مستهدفة في ذاكرتها ورمزيتها، قبل أن تُستهدف في حاضرها ومستقبلها.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المعلمين والشرفاء وأهل الضمير الحي لرفع الصوت عاليًا في وجه هذا العبث، وحماية ذاكرة الشهداء من التشويه، ومنع تحويل الجلادين إلى أوصياء على أجيال الغد. فالحرية لا تُمنح، والعدالة لا تُستجدى، بل تُنتزع انتزاعًا. ولتظل قضية الشهيد أحمد الخير، ومن سبقوه ولحقوه في درب التضحية، منارةً تضيء درب النضال حتى تكتمل الثورة وتُقام دولة القانون والعدالة التي حلم بها السودانيون وضحوا من أجلها.




