رأي
لابد من صنعاء وإن طال السفر: وقف الحرب في السودان ضرورة وجودية لا خيار سياسي
عادل تاج الدين جار النبي

عادل تاج الدين جار النبي
“لابد من صنعاء وإن طال السفر” مثل عربي يحمل في طياته معنى الإصرار على بلوغ الهدف مهما طال الزمن وتعقدت الطرق، وهو ما ينطبق تمامًا على الواقع السوداني اليوم، إذ لم يعد وقف الحرب خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله أو ورقة تفاوضية في لعبة المصالح، بل بات ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة والحفاظ على ما تبقى من نسيجها الاجتماعي والإنساني. فمنذ اندلاعها، لم تترك الحرب في السودان مجالًا لم تطله آثارها الكارثية، إذ دُمّرت المدن، وتشرد الملايين، وانقسم المجتمع، وتهاوى الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة، حتى صار السودان الذي كان يومًا بلد التنوع والتعدد ساحة لصراعات عبثية لا غالب فيها ولا مغلوب سوى الشعب الذي يدفع الثمن من أمنه وكرامته ومعيشته. والأسوأ أن استمرار الحرب يهدد وحدة البلاد ويفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية ويحوّل السودان إلى مسرح لتصفية حسابات إقليمية ودولية، ما يجعل إيقافها شرطًا أساسيًا لأي حل سياسي أو مشروع وطني مستقبلي.
وقف الحرب ليس مهمة طرف واحد ولا مسؤولية العسكريين وحدهم، بل هو واجب وطني يقع على عاتق جميع القوى السياسية والمجتمعية والدينية والمدنية، إذ يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الدولة وعلاقتها بمواطنيها ويضع حدًا لدوامة الانقلابات والصراعات التي أهدرت عقودًا من التنمية والاستقرار. والمطلوب اليوم ليس اتفاقًا هشًا قد ينهار مع أول اختبار، بل عملية شاملة تقوم على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس المواطنة والشفافية والمساءلة.
ولعل التجارب الإفريقية تقدم دروسًا مهمة يمكن الاستفادة منها في هذا السياق. فقد اختارت رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 طريق العدالة والمصالحة عبر محاكم “غاشاشا” التقليدية، ما مهد لإعادة بناء الدولة وتحقيق نمو اقتصادي كبير. وفي جنوب إفريقيا، نجحت لجنة الحقيقة والمصالحة في تجاوز إرث الفصل العنصري دون الانزلاق إلى الانتقام، مما رسخ دعائم الديمقراطية. أما في سيراليون وليبيريا، فقد أثبتت التجربة أن إنهاء الصراع لا يكتمل دون إصلاح القطاع الأمني ودمج المقاتلين السابقين في المجتمع. هذه النماذج تؤكد أن الإرادة السياسية والمجتمع المدني الفاعل والدعم الدولي البنّاء هي الركائز التي لا غنى عنها لتحقيق السلام المستدام.
الخروج من نفق الحرب في السودان يتطلب رؤية وطنية واضحة تقوم على وقف فوري وشامل لإطلاق النار بضمانات قوية، وإطلاق حوار وطني جامع لا يقصي أحدًا ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية تتولى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، إلى جانب وضع برامج لإعادة الإعمار والتنمية تعيد الاعتبار للإنسان السوداني، وخاصة النازحين واللاجئين، مع اعتماد العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية كركيزة أساسية لمعالجة جراح الماضي وتهيئة الأرضية لسلام دائم.
إن عبارة “لابد من صنعاء وإن طال السفر” ليست مجرد حكمة مأثورة، بل هي دعوة للتشبث بالأمل وبذل الجهد مهما كانت الطريق طويلة وشاقة. فالسودان يستحق السلام لا كهدنة مؤقتة، بل كخيار وجودي يعيد إليه روحه وينقذ ما تبقى من دولته ومجتمعه. وكل التجارب الإنسانية تؤكد أن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، بل هدف قابل للتحقيق إذا ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الجامعة. الحرب يجب أن تتوقف، لأن السودان ببساطة لا يحتمل جولة جديدة من الضياع.
دالاس/تكساس
الجمعة الجامعة ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٥




