
نجم الدين دريسة
منذ استقلال السودان، ظلّت الأزمات السياسية تتوالى دون انقطاع، حتى غدت البلاد نموذجاً للدولة الهشّة التي لم تفلح في بناء مؤسسات مستقرة أو عقد اجتماعي جامع. وفي قلب هذا المشهد المعقد يبرز مأزق العقل السياسي المدني، الذي عجز عن إنتاج حلول وطنية جذرية، وظل يترقب المخرج من الخارج، متكئاً على مبادرات دولية أو إقليمية لم تتجاوز كونها محاولات لتسكين الأزمات بدلاً من معالجتها.
إن هذا العجز لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر لطبيعة تشكّل الأحزاب والكيانات السياسية السودانية. فالأحزاب الطائفية ارتبطت تاريخياً بالاستعمار البريطاني والمصري، بينما جاءت الأحزاب العقائدية محمولة على أيديولوجيات إسلامية أو شيوعية أممية لم تكن تؤمن أصلاً بفكرة الدولة القطرية. أما التيارات العروبية، ورغم حضورها الفكري، فقد عجزت عن التغلغل في مجتمع سوداني متنوع إثنياً وثقافياً، فبقيت محدودة الأثر. بهذه الخلفيات، نشأت الحياة السياسية مرتبطة بالخارج أكثر مما هي متجذرة في الداخل، وهو ما أسهم في إنتاج دولة مضطربة عرضة للاستغلال والانقسامات منذ أكثر من قرن.
لقد ظلّت كل اتفاقيات السلام، من أديس أبابا إلى نيفاشا وما تلاها، تقوم على سرديات جزئية لا تعالج جذور المشكلة. فهي إما تركّز على اقتسام السلطة والثروة بين النخب، أو تكتفي بترتيبات أمنية هشّة، دون مساس بالبنية العميقة للأزمة، أي غياب العقد الاجتماعي الذي ينظّم علاقة المكونات المختلفة ببعضها وبالدولة. والنتيجة أن هذه الاتفاقيات تحولت إلى تسويات مؤقتة، سرعان ما تنهار لتعود الأزمات أكثر استفحالاً.
اليوم، يراهن كثيرون على الرباعية الدولية لتقريب وجهات النظر، لكن الحقيقة أن هذه المبادرة لن تكون بأفضل حال من سابقاتها. فالتجربة أثبتت أن أي حل يُصاغ خارج حدود السودان يظل رهيناً لمصالح الأطراف الراعية، وغالباً ما يفتقر إلى القدرة على تفكيك مراكز القوى الداخلية أو معالجة جذور التهميش التاريخي.
إن جوهر الأزمة السودانية لا يكمن فقط في الانقسامات السياسية أو الحروب المتكررة، بل في غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة على أسس جديدة. الدولة السودانية ما زالت، في كثير من جوانبها، امتداداً لبنية استعمارية، من بينها مؤسسة الجيش التي تأسست قبل ميلاد الدولة نفسها بثلاثة عقود. ومنذ تسعينيات القرن الماضي اختُطفت هذه المؤسسة لصالح جماعات الإسلام السياسي، كما ظلت أداة مكشوفة للتدخلات الإقليمية، خصوصاً من جانب مصر الرسمية التي رأت في الجيش السوداني حارساً لمصالحها أكثر من كونه مؤسسة وطنية.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو ضعف القوى المدنية نفسها. فهي، رغم طموحاتها في التغيير، لم تستطع التحرر من رواسب الماضي، وما زالت تعيد إنتاج نفس الآليات الذهنية التي قادت البلاد إلى أزماتها المتطاولة. بل إن بعض هذه القوى ما زال يتمسك بخطاب يزعم وجود “جيش قومي”، متجاهلة أن هذه المؤسسة وُلدت أصلاً في سياق استعماري وظلت على الدوام عرضة للاختراق.
إن الطريق إلى حل حقيقي لا يمر عبر استنساخ المبادرات الخارجية، ولا عبر تدوير ذات النخب التي عطّلت إمكانيات التحول الديمقراطي، وإنما عبر توافق داخلي على عقد اجتماعي جديد يضع أسس العدالة والمواطنة ويعترف بالتنوع السوداني باعتباره مصدر قوة لا تهديد. هذا العقد هو المدخل الوحيد لبناء دولة مستقلة بحق، قادرة على تجاوز أزماتها المتوارثة وصناعة مستقبل مختلف.




