
عبدالرحمن ابورندة/ بنسلفانيا
منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة وما تلاها من تحولات كبرى في مسار الدولة السودانية، برزت قوات الدعم السريع كقوة وطنية انحازت بوضوح لجانب الشعب، حين تراجعت عن انقلاب 25 أكتوبر، ووقفت ضد مؤامرات الداخل والخارج التي أرادت وأد مشروع التغيير. هذا الموقف لم يكن تكتيكاً سياسياً عابراً، بل تعبيراً أصيلاً عن إدراك عميق بأن السودان يحتاج إلى قوة جديدة تحمي ثورته وتحفظ مكتسباته وتصون سيادته من تدخلات الجوار الطامع، وعلى رأسها مصر الرسمية التي لم تتوقف عن التدخل السافر في شؤونه منذ خمسينيات القرن الماضي، وسعت دوماً لإبقاء الجيش السوداني أداة مرتهنة لحماية مصالحها.
لقد أثبتت الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل أن الفوارق بين الطرفين شاسعة؛ فجيش وُلد من رحم الاستعمار عام 1925 تحت مسمى “قوات دفاع السودان”، ظل منذ نشأته تركة استعمارية مرتهنة، ومليشيا مؤدلجة تحكمها العقلية الإخوانية، لا تعرف عقيدة وطنية، وتستند إلى العنف والبطش لقمع الشعوب السودانية، بينما وقفت قوات الدعم السريع في الجهة المقابلة لتدافع عن الثورة ومكتسباتها، وتتصدى لمؤامرات الأشرار، وتخوض معاركها بأفق وطني يضع حماية الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
لم يكن غريباً أن تنهزم القوات المسلحة المتهالكة أمام ضربات الدعم السريع، فهي جيش مأزوم في تركيبته، فاقد للعقيدة، مرتهن لإملاءات الخارج، ومخترق منذ عقود طويلة، بينما أظهرت قوات الدعم السريع بسالة وصموداً لافتاً، وقدمت نموذجاً للنضال التحرري يؤكد أن السودان ماضٍ نحو ولادة جيش قومي جديد.
لقد التقطت قوات الدعم السريع القفاز في اللحظة الحاسمة، وواجهت مشروع إعادة إنتاج الاستبداد، وأكدت للعالم أنها ليست مجرد قوة عسكرية طارئة، بل نواة لتحالف وطني أوسع، يعبر عن تطلعات السودانيين في بناء دولة مدنية ديمقراطية. هذا ما يجعلها اليوم تتجاوز صورتها التقليدية لتغدو في قلب مشروع التحرر الوطني، فهي لم تحارب لحساب نخبة ولا خدمة لمصالح خارجية، بل لتفتح الطريق نحو إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
إن السودان، بعد عقود من التبعية والتزييف، بحاجة إلى جيش قومي مهني حديث، يولد من رحم هذا المخاض العسير، على أنقاض “جيش ونجت باشا” الاستعماري، جيش وطني غير مرتهن، عقيدته الوحيدة حماية مصالح السودان وشعبه. وهذه المهمة لن تتحقق إلا بالاصطفاف حول قوات الدعم السريع باعتبارها البذرة الصلبة لقوات التحرر الوطني، ومظلة التحالف القومي الجديد الذي سيضع حداً للفشل الممتد منذ الاستقلال، ويؤسس لحقبة جديدة من الحرية والسيادة والكرامة.




