رأي

المشتركة استنزاف وفقدان بوصلة 

أحمد عيسي

 

أحمد عيسي 

الحروب ليست امتحاناً للشجاعة وحدها، وإنما امتحان للوعي السياسي أيضاً. فكم من قوة امتلكت الرجال والسلاح وخسرت المعنى، وكم من جيش انتصر في الميدان ثم اكتشف أنه كان يقاتل من أجل أهداف غيره. وفي السودان، حيث تتشابك الأزمات التاريخية مع تعقيدات الحرب الراهنة، تبرز القوة المشتركة للحركات المسلحة بوصفها واحدة من أكثر القوى التي تستحق المراجعة والنقاش، لا انتقاصاً من تضحيات مقاتليها، وإنما لأن أي مشروع سياسي يفقد القدرة على مراجعة نفسه يبدأ، من حيث لا يدري، رحلة الابتعاد عن الغاية التي وُلد من أجلها.

لقد خرجت الحركات المسلحة إلى السلاح وهي ترفع شعارات إنهاء التهميش، وإعادة بناء الدولة، وتحقيق العدالة، وكسر احتكار السلطة والثروة. وكان خطابها طوال سنوات الصراع يقوم على نقد البنية السياسية والعسكرية التي أدارت السودان منذ الاستقلال، باعتبارها سبباً رئيسياً في إنتاج الحروب والأزمات. ولهذا فإن انتقالها إلى خندق القتال إلى جانب المؤسسة العسكرية التي كانت جزءاً من هذا الصراع التاريخي يفرض سؤالاً لا يمكن تجاوزه بالخطابات التعبوية أو الشعارات العابرة: ما الذي تغيّر في المشروع السياسي؟ وهل تغيّر الهدف، أم تغيّرت فقط مواقع اللاعبين؟

في دارفور يتداول الناس مثلاً عميق الدلالة يقول: “الدواس يحتاج إلى غبينة.” وليس المقصود بالغبينة هنا مجرد الغضب، وإنما وجود قضية واضحة تستحق أن تُبذل من أجلها الأرواح. فالحرب التي لا يعرف المقاتل لماذا يخوضها تتحول مع الزمن إلى عبء على أصحابها قبل أن تكون عبئاً على خصومهم. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما القضية السياسية التي تقاتل من أجلها القوة المشتركة اليوم؟ وما المكسب الذي تنتظر تحقيقه بعد كل هذا الاستنزاف؟

ليست المشكلة في تبدل التحالفات، فالسياسة تعرف تبدل المواقع وتغيّر المصالح، لكن التحول السياسي لا يكتسب شرعيته بمجرد وقوعه، وإنما بقدرته على إقناع الناس بأنه يخدم المشروع الذي أُعلن منذ البداية. أما حين تصبح التحالفات أكبر من المبادئ، فإن المشروع نفسه يبدأ في فقدان ملامحه، ويصبح السلاح وسيلة للدفاع عن واقع كانت الحركات المسلحة نفسها تصفه، لسنوات طويلة، بأنه أصل الأزمة السودانية.

لقد دفعت مناطق الهامش أثماناً باهظة في الأرواح والموارد خلال عقود الحرب، وكان الأمل أن تثمر تلك التضحيات مشروعاً جديداً للدولة، لا أن تُعاد صياغة التحالفات بطريقة تجعل الأسئلة أكبر من الإجابات. فالسياسة ليست مجرد اختيار حليف عسكري، وإنما اختيار اتجاه تاريخي. وكل اتجاه لا يفسر نفسه بوضوح يترك المجال مفتوحاً أمام الشكوك والتأويلات.

إن الحرب بطبيعتها تفرض ضرورات ميدانية، لكن الضرورة العسكرية لا يمكن أن تصبح بديلاً عن الرؤية السياسية. فالمعارك تُخاض بالسلاح، أما مستقبل الدول فيُصنع بالأفكار والمؤسسات والبرامج. وكل قوة تنشغل بإدارة الجبهة وتغفل عن إدارة مشروعها السياسي تجد نفسها، بعد سنوات، وقد ربحت معركة وخسرت القضية.

وفي خضم العمليات العسكرية الدائرة في كردفان ودارفور، تتعاظم كلفة الحرب يوماً بعد آخر. فالاستنزاف لا يقاس بعدد الضحايا وحده، بل بما يستهلكه من قدرات بشرية وموارد وفرص سياسية. وكلما امتد الصراع دون أفق واضح، ازداد خطر أن تتحول القوى المنخرطة فيه إلى أطراف تستنزف نفسها أكثر مما تغير موازين الواقع.

ومن هنا تبرز أهمية المراجعة. فالمراجعة ليست تراجعاً، وليست اعترافاً بالهزيمة، وإنما هي أعلى درجات المسؤولية السياسية. والقوى التي لا تمتلك شجاعة مراجعة خياراتها كثيراً ما تكتشف متأخرة أن الزمن تجاوزها، وأنها ظلت تقاتل بينما كانت الوقائع السياسية تتغير من حولها.

لقد علمتنا التجارب السودانية أن التحالفات العسكرية مؤقتة، أما المصالح الوطنية فدائمة. وما يبدو اليوم تحالفاً ضرورياً قد يتحول غداً إلى عبء سياسي إذا لم يكن قائماً على رؤية واضحة للمستقبل. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن يقف مع من، وإنما إلى أين يقود هذا الاصطفاف، وما الدولة التي يراد بناؤها بعد انتهاء الحرب.

إن مستقبل السودان لن يُحسم في ساحات القتال وحدها، لأن البنادق تستطيع تغيير خطوط التماس، لكنها لا تستطيع وحدها بناء عقد اجتماعي جديد، ولا إنتاج شرعية سياسية مستقرة، ولا معالجة جذور الأزمة التي انفجرت بسببها البلاد. ولهذا فإن أي مشروع يختزل الحل في القوة العسكرية يظل مشروعاً ناقصاً مهما حقق من مكاسب ميدانية.

والقوة المشتركة، بحكم تاريخها وتجربتها، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تعيد تعريف موقعها في هذا المشهد، وأن تقدم للرأي العام تفسيراً سياسياً متماسكاً لخياراتها الحالية، يربط بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فالجماهير التي ساندت الحركات المسلحة على أساس برنامج سياسي لا تنتظر منها مجرد المشاركة في المعارك، بل تنتظر منها أن توضح كيف تخدم تلك المشاركة المشروع الذي حملته منذ البداية.

إن التاريخ لا يحاكم القوى السياسية بعدد البيانات التي أصدرتها، ولا بعدد المعارك التي خاضتها، وإنما يحاكمها بقدرتها على الحفاظ على اتساقها الداخلي، وعلى تحويل التضحيات إلى مكاسب وطنية حقيقية. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، ازدادت الحاجة إلى مراجعة صريحة وشجاعة.

لقد دخل السودان مرحلة لم يعد فيها ممكناً الاكتفاء بالشعارات القديمة أو التحالفات المؤقتة. فالمجتمع الذي أنهكته الحرب يريد إجابات واضحة، ويريد مشروعاً يتجاوز منطق الغلبة العسكرية إلى منطق الدولة الجامعة، دولة الحقوق المتساوية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والمواطنة التي لا تُقاس بالقبيلة ولا بالإقليم ولا بحجم القوة العسكرية.

إن السؤال الذي يواجه القوة المشتركة اليوم ليس سؤالاً عسكرياً بقدر ما هو سؤال سياسي وأخلاقي: هل ما تزال تتحرك وفق المشروع الذي خرجت من أجله، أم أن ضرورات الحرب أعادت تشكيل أولوياتها بصورة تستوجب مراجعة؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تخص قياداتها وحدها، بل تخص مستقبل السودان كله، لأن الأوطان لا تُبنى بإطالة أمد الصراع، وإنما ببناء رؤية قادرة على إنهائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!