رأي

الكيزان ومشروع التقسيم: كيف نجح الإخوان المسلمون في تفتيت قوى الثورة السودانية؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

منذ فجر الاستقلال، ظل السودان يعيش صراعاً دائماً بين قوى تريد بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والمواطنة، وبين تيارٍ إسلامي سياسي يرى في السلطة أداةً للتمكين والسيطرة، لا وسيلةً لخدمة المواطن. غير أن ذروة هذا الصراع تجلت بوضوح بعد ثورة ديسمبر المجيدة، حين استطاع تيار الإخوان المسلمين (الكيزان) أن يتسلل من جديد إلى المشهد، ليمارس لعبته القديمة: تفريق الصفوف، وتمزيق قوى الثورة، وتحويل الحلم الجماعي إلى خلافات صغيرة تلتهم ذاتها.

*خطة التقسيم: من الدولة إلى النقابة*

لم تكن سياسة “فرّق تسد” التي انتهجها الكيزان وليدة اللحظة، بل هي منهج أصيل في مشروعهم منذ أن تسللوا إلى السلطة بانقلاب يونيو 1989. فالإخوان أدركوا باكراً أن السيطرة على الدولة لا تكون فقط عبر الجيش أو الأجهزة الأمنية، بل عبر تحطيم الروابط الاجتماعية والنقابية والسياسية التي تشكل نسيج المجتمع المدني.

من النقابات إلى الجمعيات المهنية، ومن الأحزاب إلى منظمات المجتمع المدني، كانت سياسة الكيزان تقوم على تفكيك كل كيان مستقل يمكن أن يشكل نواة مقاومة ضد سلطتهم.

ففي تسعينيات القرن الماضي، قاموا بتصفية النقابات المستقلة، واستبدلوها بما أسموه “نقابات المنشأ” التي تدين بالولاء للحركة الإسلامية. وشيئاً فشيئاً، تمكنوا من تفريغ مؤسسات المجتمع المدني من مضمونها الوطني، لتتحول إلى أدوات في خدمة التنظيم.

بهذه الطريقة، خلقوا مجتمعاً مُراقَباً، لا صوت فيه يعلو على صوت التمكين.

*تكرار السيناريو بعد الثورة*

حين اندلعت ثورة ديسمبر 2018، كانت المفاجأة الكبرى أن المجتمع السوداني، رغم القهر الطويل، ما زال يحتفظ بقدر هائل من الوعي الجمعي والرغبة في التغيير.

قاد تجمع المهنيين السودانيين الحراك بحكمة ووعي، وشكلت قوى الحرية والتغيير حاضنة سياسية جامعة لقوى الثورة. بدا أن لحظة بناء الدولة المدنية قد اقتربت، وأن السودان يقف أخيراً على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخه.

لكن ما إن بدأ التغيير يلوح في الأفق، حتى نشطت خلايا الإخوان المسلمين، مستخدمة خبرتها الطويلة في صناعة الانقسام.

فأعادوا إنتاج ذات الأساليب القديمة، ولكن بوسائل جديدة: اختراق المنصات الإعلامية، زرع الشكوك، بث خطاب التخوين، وتأليب المكونات ضد بعضها البعض.

وسرعان ما تحولت الشعارات الموحدة مثل “حرية، سلام، وعدالة” إلى عبارات يتنازع حولها الجميع، كلٌّ يدّعي أنه الممثل الشرعي للثورة.

*تجمع المهنيين.. بداية الانقسام المدروس*

يُعتبر تجمع المهنيين السودانيين نموذجاً واضحاً لما فعله الكيزان.

فبعد أن كان رمزاً للوحدة والتنظيم، أصبح ساحة صراع داخلي بين تيارات مختلفة.

فجأة، ظهرت مجموعات تتحدث باسم التجمع، وأخرى تتهمها بالانحراف عن المسار الثوري.

وبينما كان المواطن يبحث عن قيادة موحدة، نجح الإخوان في إذكاء نار الخلاف داخل التجمع عبر حملات تشويه إلكترونية منظمة، واختراق بعض الكوادر بالمال أو النفوذ أو الإغراء بالمناصب.

لم يكن الهدف إسقاط تجمع المهنيين فحسب، بل ضرب فكرة التنظيم الجماعي ذاتها، وجعل كل كيان ثوري يشك في الآخر.

وهكذا، انشغل الثوار بالرد على بعضهم أكثر من انشغالهم بمواجهة العدو الحقيقي.

*من “الحرية والتغيير” إلى “تقدم”: استبدال الوحدة بالتشظي*

بعد سقوط نظام البشير، برز تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) كإطار جامع للقوى السياسية والمهنية التي قادت الثورة.

لكن الإخوان لم يتركوا هذا التحالف يتماسك.

أعادوا استخدام أدواتهم المعهودة: الإعلام المضلل، الشائعات، والاتهامات المتبادلة، فبدأت موجة انقسامات متتابعة داخل التحالف، حتى انقسم إلى عدة كتل، أبرزها “قحت المركزي” و”قحت الميثاق”.

ومع مرور الوقت، ومع كل أزمة سياسية أو تفاوضية، كان الإخوان المسلمون يجدون فرصة لإشعال الفتنة أكثر.

وحين ظهرت منصة “تقدم” كمبادرة جديدة تسعى لتوحيد الصف المدني، دخل الكيزان مجدداً على الخط لتقويضها، مستخدمين نفس الخطاب المسموم:

“تقدم ممولة من الخارج”،

“تقدم ضد الجيش”،

“تقدم مشروع يساري معادٍ للإسلام”…

كلها شعارات جوفاء هدفها تأليب الناس على فكرة الحكم المدني وتشويه أي مبادرة تسعى لبناء دولة المواطنة.

*أسلحة الإخوان في معركة التقسيم*

لم يكن نجاح الإخوان في تفتيت قوى الثورة مصادفة، بل نتيجة استراتيجية منظمة استخدموا فيها عدة أدوات:

1. الإعلام الموجه:

استخدموا مئات الصفحات والمنصات على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أخبار كاذبة وتضخيم الخلافات داخل الصف الثوري.

صارت كل شائعة تُبث بعناية لتضرب الثقة بين المكونات، حتى أصبح المواطن العادي عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والافتراء.

2. الاختراق التنظيمي:

تسلل عناصرهم إلى داخل بعض الأجسام الثورية بأسماء جديدة، ليفتحوا جبهات داخلية تُضعف القرار الموحد.

هذه الطريقة استخدموها منذ زمن بعيد، حين زرعوا خلاياهم داخل الأحزاب التقليدية والنقابات، وهم يعيدون الآن نفس التكتيك

3. الاستثمار في العواطف والجهويات:

عرف الكيزان كيف يستغلون العاطفة السودانية وحس الانتماء القبلي أو الجهوي لخلق صدامات داخلية.

فبدلاً من أن يتوحد الناس حول مشروع وطني، انشغلوا بتبادل الاتهامات على أساس الانتماء أو الموقف من الجيش أو الدعم السريع.

4. تزييف الوعي عبر الدين:

حين تضيق بهم السبل، يعيد الإخوان استخدام الخطاب الديني كسلاحٍ للتضليل، فيصوّرون كل مشروع مدني على أنه “ضد الإسلام” أو “عميل للغرب”.

بينما الحقيقة أن مشروعهم هو الذي دمّر صورة الدين، حين جعلوه وسيلة للتمكين والنهب والقتل باسم الله.

الثورة فكرة لا تُقسم

رغم كل ما فعله الكيزان، تظل الثورة السودانية أكبر من مؤامراتهم.

فهي ليست حزباً ولا تنظيماً، بل فكرة ووعي جماعي نشأ من رحم المعاناة.

لقد حاولوا إخمادها بالقمع، ثم حاولوا تشويهها، ثم لجأوا إلى تقسيمها، لكنهم فشلوا في قتل روحها.

ما تزال شعارات الثورة الثلاثة – حرية، سلام، وعدالة – تعيش في وجدان الناس رغم الدماء والدمار.

غير أن الحفاظ على هذه الفكرة يتطلب اليوم أكثر من مجرد الحنين؛ يتطلب وحدة حقيقية حول مبادئ واضحة.

دعوة إلى وحدة الصف المدن

إن المرحلة التي يعيشها السودان اليوم هي الأخطر في تاريخه الحديث، ليس فقط بسبب الحرب الدائرة، ولكن لأن الانقسام داخل الصف المدني والديمقراطي هو ما يمنح الكيزان الحياة من جديد.

لقد أدرك الإخوان أن انتصار الثورة لا يعني سقوطهم سياسياً فقط، بل سقوط مشروعهم الفكري القائم على الوصاية والاستغلال.

ولذلك، فإنهم سيقاتلون بكل وسيلة ليبقوا عامل الانقسام الأول في البلاد.

لكن التاريخ يعلمنا أن المشاريع الظلامية تسقط حين يتوحد الناس حول مشروع وطني جامع.

وعليه، فإن الواجب اليوم على كل القوى الثورية والسياسية والمهنية أن تتجاوز الاختلافات الصغيرة وتلتف حول ما هو أكبر

*إقامة دولة مدنية ديمقراطية لا مكان فيها للعنف ولا للاستغلال الديني.*

بناء جيش وطني موحد بعيد عن الولاءات السياسية.

وضع دستور دائم يضمن الحريات ويفصل الدين عن الدولة.

وإعادة ترميم الثقة بين المكونات المدنية، فالثقة هي رأس مال الثورة الحقيقي.

خاتمة: من التشرذم إلى المشروع الوطني

لقد علمتنا التجربة أن أخطر ما يواجه السودان ليس الحرب فقط، بل تفكك قوى التغيير التي يفترض أن تقود عملية الإنقاذ الوطني.

فالكيزان لا ينتصرون بقوتهم، بل بضعفنا وتنازعنا.

كلما انقسمت الصفوف، اقتربوا من العودة.

وكلما توحدت الكلمة، انكشف زيفهم وانتهت أسطورتهم.

إن الطريق نحو الحكم المدني الديمقراطي ليس مفروشاً بالورود، لكنه الطريق الوحيد لبناء دولة تحترم الإنسان وتحمي كرامته.

ولن يتحقق ذلك إلا إذا أدركت كل الأجسام الثورية والسياسية أن خلافاتها الحالية، مهما بدت كبيرة، لا تساوي شيئاً أمام حجم الوطن الذي ينزف.

فلنعد إلى جوهر الثورة:

إلى صوت الشارع الذي قال “حرية، سلام، وعدالة”،

إلى التكاتف الذي أسقط البشير وأسقط معه الخوف،

إلى اللحظة التي كان فيها السودانيون كتفاً بكتف،

حين أدركوا أن العدو الحقيقي ليس بعضهم، بل نظام الكيزان الذي سرق وطنهم باسم الدين.

إن وحدة الصف الثوري اليوم ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية للبقاء.

فمن دونها، سيكتب التاريخ أن السودان خسر ثورته الثانية كما خسر الأولى،

لا لأن الكيزان أقوياء، بل لأننا سمحنا لهم بتفريقنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!