
دار السلام وداعة
“حليل أرض الجزائر… والمراكب والطنابير الترن…”
بعض الأغنيات لا تُسمع بالأذن فقط بل تُحس بالقلب و كلما أشتدت الحرب في السودان عادت هذه الأغنية لتبدو وكأنها كُتبت اليوم لا قبل سنوات.
و أنت تستمع إليها يصعب أن تفصل كلماتها عن صور ملايين السودانيين الذين غادروا بيوتهم على عجل تاركين وراءهم الأشجار والزراعة والبيوت والجيران وأصوات الحياة التي كانت تملأ الأزقة.
“الليلة ما عاد المراكب شرقن…”
جملة قصيرة لكنها تختصر حال وطن كامل توقفت المراكب كما توقفت المدارس والأسواق والمزارع. توقفت الزيارات التي كانت لا تحتاج إلى موعد وتوقفت الأفراح وحتى العزاء في كثير من الأحيان أصبح مستحيلاً.
الحرب لا تقتل الناس بالرصاص وحده بل تقتل تفاصيل حياتهم الصغيرة تلك التفاصيل التي لا تظهر في نشرات الأخبار لكنها تصنع معنى الوطن.
وحين يقول الفنان:
“والقمري فوق نخل الفريق فاقد الأهل يبكي ويحن.”
فإنه يرسم صورة يعرفها كل سوداني اليوم ليس القمري وحده من فقد أهله بل مدن بأكملها فقدت ناسها قرى أصبحت صامتة وأحياء كانت تضج بالحياة صارت خاوية وأسر تفرقت بين النزوح واللجوء حتى أصبح السؤال اليومي: من بقي؟ ومن غادر؟ ومن لا نعرف عنه شيئاً؟
ثم تأتي أكثر المقاطع وجعاً:
“بلدنا… حبايبنا… أهلنا… راحوا للحلة… لا بكاتبوا لا بفيدونا الحصل.”
كم تشبه هذه الكلمات واقع السودان الآن. إنقطعت الأخبار كما إنقطعت الطرق. هناك من ينتظر إتصالاً منذ شهور وهناك من لا يعرف إن كان بيته ما زال قائماً أو إن كان جاره الذي أعتاد أن يشرب معه الشاي كل مساء ما زال على قيد الحياة.
هذه ليست مجرد آثار جانبية للحرب بل هي جوهر المأساة.
الذين أشعلوا هذه الحرب ربما كانوا يحسبون المكاسب والخسائر بلغة السياسة والسلاح لكنهم لم يحسبوا عدد الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن ولا عدد الأطفال الذين كبروا بعيداً عن بيوتهم ولا حجم الشروخ التي أصابت وجدان السودانيين.
فالخراب الحقيقي لا يقاس بعدد المباني المهدمة وإنما بعدد العلاقات التي إنكسرت والذكريات التي إنقطعت والثقة التي تآكلت بين أبناء البلد الواحد وهنا تظهر قيمة الفن.
الأغنية لا تقدم برنامجاً سياسياً ولا تفاوض على اتفاق لكنها تذكرنا بما نحاول جميعاً ألا نفقده: “إنسانيتنا”.
وربما لهذا السبب تبقى بعض الأغنيات أطول عمراً من الحروب نفسها لأنها تحفظ ذاكرة الناس وتمنع الألم من أن يتحول إلى رقم في تقرير أو خبر عابر.
لكن السودان لا يحتاج إلى أن يبقى أسير الحنين بل يحتاج إلى إرادة سياسية تضع حياة الناس فوق حسابات السلطة وإلى سلام لا يكتفي بإسكات البنادق بل يعالج أسباب الحرب ويعيد الحقوق إلى أصحابها ويهيئ لمصالحة وطنية حقيقية تعترف بحقوق الضحايا وتجبر الضرر وتعيد بناء الثقة بين السودانيين.
فالسلام ليس ورقة توقعها الأطراف المتحاربة بل شعور يعود إلى الناس عندما يطمئنون أنهم لن يهربوا مرة أخرى وأن بيوتهم لن تتحول إلى ساحات قتال وأن خلافاتهم لا تُحل بالبندقية.
وحين يردد الفنان في نهاية الأغنية:
“في أمل… يا أمل.”
فإنها ليست دعوة إلى التفاؤل الساذج وإنما تذكير بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها وتتمسك بإنسانيتها قادرة على النهوض مهما طال الليل .
ولعل أجمل ما يمكن أن تعبر عنه هذه الأغنية لكل الذين فقدوا بيوتهم وأهلهم هو الأمل في أن تعود المراكب إلى النيل و يعود الناس إلى قراهم و يعود السودان وطناً يسع الجميع… بلا حرب ولا كراهية ولا خوف.
ولنا عودة




