رأي

دواء الموت وفضيحة فساد حكومة بورتسودان

علي أحمد

 

علي أحمد

في أزمنة الحرب والاضطراب تنهار مظاهر الدول، لذلك فليس غريباً أن يتحوّل الدواءُ تحت ظل سلطة بورتسودان من وسيلةٍ للحياة إلى أداةٍ للموت.

قصصٌ مثل قصة المواطنة سلوى التي أوردتها الصحف وعلبة الدواء المنتهية الصلاحية التي أودت بحياة والدتها ليست حوادثٍ معزولة، بل انعكاسٌ مرعب لظاهرة أوسع: انتشار الأدوية المغشوشة المعروفة محليًا بـ(الكوكو) التي قتلت وسلبت الكثيرين أرواحهم وأودت بحيواتهم عوضاً عن إنقاذهم .

ما يجري اليوم في مؤسسات وأسواق بورتسودان يعكس فسادًا عميقًا؛ شبكة من سلاسل إمداد محترقة، رقابة ضعيفة أو متواطئة، وكتل من الأدوية تدخل البلاد عبر منافذ غير ضابطة. هذه الأدوية لا تكتفي بانتهاء صلاحيتها؛ بعضها مزيّف بالكامل، محمّل بمكونات سامة أو بجرعات عشوائية تقود إلى تسممٍ مزمن، علاجٍ فاشل، وانتشار مقاومةٍ دوائية تقلّص فاعلية علاجاتٍ أساسية، ولاسيما مضادات الملاريا والمضادات الحيوية.

الأسباب متعددة لكن مترابطة، أهمها؛ تعطّل سلاسل الإمداد بسبب القتال، انهيار البنى الصناعية والصيدلانية المحلية، خروج الشركات من السوق، وارتفاع الأسعار الناجم عن ندرة الدواء. وفي هذا الفراغ تنمو شبكات تهريبٍ تربط مناطقَ عبور عبر حدودٍ مجاورة، وتستغل ضعف الرقابة لتوزيع منتجاتٍ مجهولة المصدر. مع ذلك، ثمة بعدٌ آخر أخطر: فسادٌ بنيوي في أجهزة السلطة يجعل الحماية الرسمية للمواطنين هزيلة أو منعدمةَ الفعالية.

وعندما تتعطل مؤسسات الرقابة أو تُستنزف مواردها أو يُستبدل عملها بالتسويات والمحسوبيات، يصبح المواطن وحده عرضةً للمخاطر.

نتائج هذه الأزمة ليست محصورةً في أرقام الوفيات فحسب؛ فاقتصاد الصحة يتعرّض لضرباتٍ قوية، والثقة العامة في النظام الطبي – ان وجد – تتحلّل، ما يفاقم معاناة المرضى ويقوّض أي محاولاتٍ لإعادة بناء منظومة صحية متينة. والوضع اليوم يُحرج أي خطابٍ يدّعي حماية المواطنين أو ضبط الأسواق.

الحديث عن الحلول لا يحتمل التهوين، لكن من الصعوبة بمكان في ظل حرب الكيزان والعسكر؛ استعادة أنظمة رقابية فعّالة، تأمين سلاسل الإمداد، تشديد مراقبة المنافذ والحدود، وإجراء تحقيقيات شفافة في كل حلقات التوريد، أو حتى تقديم دعم فوري للمنشآت المحلية وإعادة بناء ثقة الجمهور بمراكز الصحة والصيدلة.

لكن قبل كل شيء، يجب الاعتراف بأن موت المرضى بسبب دواءٍ مزيّف أو منتهي الصلاحية هو فشلٌ جماعي يستلزم محاسبةً حقيقية وإصلاحًا شاملاً. إذا لم يتم علاج جذور هذا الفشل البنيوي، فستبقى أرواح الفقراء ثمنًا باهظًا يدفع مقابل فساد السلطة الشيطانيّة في بورتسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!