
نجم الدين دريسة
“حين يعجز الوطن عن حماية أبنائه، يصبح التاريخ محكمةً لا ترحم.”
لم تعد الحرب في السودان حدثاً عابراً في مسار السياسة، بل تحوّلت إلى مرآةٍ كبرى تكشف عن عمق التشوّه البنيوي في بنية الدولة وضميرها. ما يجري اليوم ليس مجرد نزاعٍ على السلطة، بل مواجهة بين ماضٍ لم يُحاسَب بعد وحاضرٍ يحاول أن يفهم نفسه، وبين وطنٍ ينهض من رماده ليعيد تعريف معنى وجوده.
لقد أثبتت الشهور الماضية أن الأزمة السودانية ليست عسكرية في جوهرها، بل فكرية وأخلاقية في المقام الأول. فالحرب لم تُولد من فراغ، بل من تاريخٍ طويلٍ من الإقصاء وتراكم المظالم وانسداد الأفق السياسي. طوال سبعة عقود، ظلت النخب تتعامل مع الدولة كغنيمة لا كعقدٍ اجتماعي، ومع الوطن كهويةٍ تُحتكر لا كمسؤوليةٍ تُشترك فيها.
منذ الاستقلال، ظل السودان يعيش تحت ظل مركزٍ متضخمٍ يحتكر القرار والثروة، ويختزل الوطن في قبضة جماعةٍ أو جهةٍ أو فئةٍ بعينها. هذا الخلل البنيوي في توزيع السلطة لم يفرز سوى التمرد على الهوية المركزية، والبحث الدائم عن عدالةٍ غابت في ضجيج الشعارات. وهكذا صارت الحرب ليست ضد طرفٍ بعينه، بل ضد فكرةٍ استبداديةٍ ظلت تختبئ تحت اسم “الوطنية”.
إنّ ما نشهده اليوم هو حصاد لثقافةٍ سياسيةٍ قامت على تزييف الوعي. فالوطن الذي يُختزل في خطابٍ دينيٍ أو عرقي، يتحوّل عاجلاً أو آجلاً إلى ساحةٍ للدم. والجيش الذي يُقدَّس بلا مساءلة، يتحول إلى أداةٍ لإدامة الهيمنة لا لحماية الناس. والسيادة التي تُرفع شعاراً في وجه المجتمع الدولي، تصبح ذريعةً لتبرير القمع الداخلي.
في خضم هذا الخراب، يتكشّف أن “العدالة” كانت الغائب الأكبر عن التجربة السودانية. فالعدالة ليست بنداً تفاوضياً ولا ترفاً خطابياً، بل هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه أي وطنٍ مستقر. غيابها هو ما جعل الأقاليم تنتفض، والأطراف تتمرد، والمركز يتقوقع داخل خوفه من التغيير.
الحرب الحالية، بكل فظائعها، فتحت نافذة مؤلمة لكنها ضرورية نحو وعيٍ جديد. فحين تتداعى الدولة وتتهاوى الرموز القديمة، يضطر الناس إلى مواجهة الحقيقة التي طالما هربوا منها: أن بناء السودان لن يكون إلا على قاعدة المساواة والاعتراف، لا على إرث الامتياز والإنكار.
إنّ ما يُسمّى اليوم بـ “التدخلات الدولية” ليس مؤامرة، بل انعكاس لعجز الداخل عن إنتاج حلولٍ عادلة. فحين تفشل النخب في إدارة الدولة بعقلٍ وطنيٍ جامع، تتكفل المنظمات والمؤسسات الإقليمية بملء الفراغ. العالم لا يتدخل إلا حين يفشل الداخل في حماية إنسانيته.
إنّ ما يلوح الآن ليس نهاية الحرب فقط، بل نهاية النموذج القديم للدولة السودانية. فالمستقبل لن يُبنى على مركزٍ واحدٍ يحتكر الحقيقة، بل على وطنٍ يعترف بتعدده، ويؤمن أن التنوع قوة لا تهديد. تلك هي الفلسفة الجديدة التي بدأت تتشكل وسط الركام وعيٌ وطنيّ يرى أن العدالة هي لغة الوجود، وأن المساواة ليست شعاراً، بل شرط بقاء.
الوعي الذي ينهض اليوم من رماد المدن المنكوبة ليس وعياً سياسياً فحسب، بل وعياً أخلاقياً يرفض تكرار التاريخ. لقد أدرك السودانيون، ربما للمرة الأولى، أن السلام ليس اتفاقاً بين متحاربين، بل تصالحٌ بين وطنٍ وذاكرته.
في لحظةٍ كهذه، تتبدل المعادلات: لم يعد السؤال من يحكم السودان، بل كيف يُعاد تعريف الحكم نفسه. لم يعد الخوف من الانقسام، بل من استمرار الظلم. لقد آن للسودان أن يكتب تاريخه الجديد بمداد العدالة لا بدماء الضحايا.
فمن بين الركام، ينهض الوعي…
وعيٌ يدرك أن السيادة الحقيقية لا تُستعاد بالبندقية، بل بالضمير.
وعيٌ يعرف أن الأوطان لا تبقى بالبطولة، بل بالمساواة.
وعيٌ يهمس في وجه التاريخ:
إن الوطن الذي لا يبني علي العدالة سيُهدم على أيدي من ظُلموا فيه.




