
عبدالرحمن أبورندة – بنسلفانيا
لا شك أنّ خطاب الكراهية واحد من أخطر إفرازات الصراعات والحروب التي شهدها السودان على مدى العقود الماضية. فهذه الظاهرة لم تأتِ من فراغ، بل نشأت وتوسعت في بيئة مثقلة بالتهميش الاجتماعي والاقتصادي، وبنظام سياسي ظل يكرّس الامتيازات لمركز بعينه على حساب الأطراف. ومع تفاقم الحروب، تحولت العنصرية إلى أداة سياسية وآلية للتفكيك الاجتماعي، حتى باتت تهدد بقاء الدولة نفسها.
العنصرية في السودان ليست مجرد سلوكيات أو مواقف متفرقة؛ إنها علة مرتبطة باختلالات عميقة في الأجهزة المفاهيمية للدولة والمجتمع، حيث يجري استخدام الهوية كسلاح سياسي وأداة لتبرير الإقصاء. وقد ساهمت السياسات القديمة في تقسيم المجتمع أفقياً ورأسياً، وأفرزت خطاباً يُشرعن التمييز ويقوّض فرص بناء دولة المواطنة. فالتحريض على الكراهية وتوظيف العِرق والقبيلة كحدود فاصلة بين “المواطن” و”الآخر”، إنما هو تعبير عن أزمة في الوعي الجمعي، أكثر من كونه خلافاً سياسياً عابراً.
ومن المؤسف أنّ وسائل الإعلام الرسمية، إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي، قد تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحات مفتوحة لإعادة إنتاج الكراهية والعنصرية. فبدلاً من أن تكون فضاءات للتنوير، أصبحت أدوات للتعبئة السلبية وإشعال نار الأحقاد، وهو ما عمّق هشاشة النسيج الاجتماعي وزاد من مخاطر الحرب الأهلية.
الحرب الراهنة التي فجرتها جماعات الهوس الديني داخل المؤسسة العسكرية، لم تكتفِ بتقويض الثورة الشعبية، بل أعادت إنتاج خطاب “فرق تسد” بأبشع صوره. ومع عجز الخطاب الديني القديم عن حشد الجماهير، لجأت تلك القوى إلى استدعاء العنصرية كسلاح لتبرير العنف وإطالة أمد الصراع. وتجلّى ذلك في وصم بعض المكونات الاجتماعية بصفات نافية للانتماء الوطني، في محاولة لتجريدها من حقها في المواطنة الكاملة، وهو مسلك يتناقض مع حقائق التاريخ والدور المحوري لتلك المكونات في تأسيس الدولة السودانية وصياغة هويتها.
إنّ بناء مشروع وطني ديمقراطي لا يمكن أن يتم في ظل خطاب ينكر التعدد ويزرع الكراهية. فالتجارب العالمية تؤكد أنّ الدول التي لم تتصالح مع تنوعها انتهت إلى الانقسام أو الاحتراب المستمر. ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم، ليس فقط وقف الحرب، وإنما إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أساس جديد: المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وإدارة التنوع بروح التوافق والتراضي.
العنصرية، بكل وضوح، هي مرض في الوعي أكثر منها واقعة في الواقع، ولذا فإن علاجها يبدأ بتحرير الفكر من الأطر المفاهيمية الموروثة التي كرّست التمييز. والمطلوب الآن هو الانتقال بخطابنا العام من دوائر الكراهية إلى فضاءات التسامح والتعايش، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بحيث تعكس حقيقة المجتمع السوداني المتعدد، لا أن تظل أداة لهيمنة أقلية على حساب الأغلبية.
إنّ السودان لا ينهض إلا حين يتجاوز هذه العلّة الخفية، ويجعل من تنوعه رصيد قوة، لا سبب ضعف، ومن اختلافاته جسراً للتعايش، لا ساحة للتناحر.




