رأي

مستقبل الحوار السوداني بين طموحات السلام الشامل ومخاطر “السيناريو الليبي” (تحليل استشرافي)

الفا هاشم العبيد

 

الفج العميق :الفا هاشم العبيد

​يمر السودان بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخه الحديث حيث تتداخل المساعي الدبلوماسية الإقليمية والدولية لإيجاد مخرج للأزمة المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام ومع استمرار تقدم الدعم السريع في الميدان وتعدد منصات التفاوض يبرز تساؤل جوهري حول شكل المستقبل السياسي للبلاد هل يفضي الحوار إلى سلام مستدام وشامل أم أن الواقع قد يفرض سيناريو تقسيم الأمر الواقع عبر اعتماد حكومتين موازيتين على غرار النموذج الليبي

​أولاً آفاق الحوار ومسارات السلام المحتملة

​تشير المعطيات الحالية إلى أن مسار الحوار السوداني يتحرك بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحاول صياغة مستقبل الحكم

​1 سيناريو التسوية الشاملة والجيش الواحد

​يفترض هذا المسار نجاح الضغوط الدولية (مثل المقترحات والمبادرات الأمريكية والإقليمية الأخيرة) في إجبار أطراف النزاع على تقديم تنازلات جوهرية يرتكز هذا الحل على

​وقف دائم لإطلاق النار وإخلاء المدن والمظاهر المسلحة

​دمج القوات العسكرية في جيش وطني موحد بعقيدة جديدة

​تأسيس سلطة مدنية انتقالية تقود البلاد نحو انتخابات عامة

​2. سيناريو “النموذج الليبي” (حكومتان بالأمر الواقع)

​في حال استمرار انعدام الثقة بين الدعم السريع والجيش والقوة السياسيةلكل طرف وتصلب المواقف يبرز سيناريو “التقسيم الإداري والأمني يعتمد هذا التصور على مأسسة جغرافيا السيطرة الحالية

​حكومة في شرق وشمال ووسط السودان تديرها السلطة القائمة من العاصمة الإدارية المؤقتة (بورتسودان) وتحظى بالشرعية الدولية والسيادة القانونية.

​إدارة أو حكومة موازية في الغرب وأجزاء من الخرطوم تقودها قوات الدعم السريع المقابلة لتبسط سلطتها على مناطق نفوذها الحالية

​هذا السيناريو يعيد إنتاج التجربة الليبية (حكومة طرابلس وحكومة بنغازي)، حيث تظل الدولة موحدة اسمياً وفي المؤسسات السيادية الحساسة (مثل البنك المركزي وقطاع النفط) لكنها منقسمة فعليا على الأرض إداريا وعسكريا

​ثانياً مدي تقبل الشارع السوداني لسيناريو الحكومتين

​إذا تم الاتفاق على سيناريو الحكومتين كحل مرحلي لوقف نزيف الدم فإن ردة فعل المواطن السوداني والمجتمع يمكن قراءتها من خلال ثلاثة مستويات معقدة

​1. الرفض الوجداني والسياسي القاطع (الفكرة المبدئية)

​يتمتع الوجدان السوداني بحساسية مفرطة تجاه قضايا الانقسام مدفوعا بمرارة تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011. الغالبية العظمى من السودانيين بمختلف مكوناتهم السياسية والمدنية يرفضون أي صيغة تشرعن تقسيم البلاد أو تمنح شرعية قانونية لكيانات موازية ويرون في النموذج الليبي خطوة أولى نحو التفتيت الكامل والدائم للدولة

​2. القبول الاضطراري المشروط (خيار حقن الدماء)

​على الجانب الاخر وتحت وطأة المعاناة الإنسانية الكارثية والنزوح المليوني والانهيار الاقتصادي قد تنشأ حالة من القبول البراغماتي القسري لدى قطاعات من المواطنين هذا التقبل لن يكون تأييداً للفكرة بل تعاملاً معها كأخف الأضرار إذا كان الثمن المباشر هو

​توقف القصف والاشتباكات نهائيا

​فتح الممرات الإنسانية وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم

​استعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية (الكهرباء، الصحة التعليم والاتصالات).

​3 معضلة الهوية والتمزق الاجتماعي

​أخطر ما يواجهه المواطن في سيناريو الحكومتين هو التمزق الاجتماعي والجهوي التقسيم الإداري على أساس خطوط السيطرة العسكرية سيعمق الاستقطاب القبلي والمناطقي ويحول حركة المواطنين بين الولايات إلى جحيم من الإجراءات الأمنية والتفتيش على أساس الهوية مما يهدد النسيج الاجتماعي التاريخي للسودان

​ وتطلع مستقبلي

​إن اعتماد النموذج الليبي في السودان وإن بدا لبعض القوى الدولية أو الأطراف المحلية كمخرج سريع لوقف العمليات العسكرية يظل حلا هشا يحمل بذور تجدد الصراع في أي لحظة التجربة الليبية نفسها تثبت أن تعدد الحكومات يقود إلى تجميد الأزمة لا حلها ويفتح الباب واسعا أمام التدخلات الأجنبية وسرقة القرار الوطني

​يبقى الرهان الحقيقي لإحداث سلام حقيقي ومقبول شعبياً في السودان معتمداً على حوار سوداني سوداني شامل يتجاوز المحاصصة العسكرية والسياسية الضيقة ويتمسك بوحدة تراب البلاد ويضع التأسيس المدني الديمقراطي كهدف نهائي لا تنازل عنه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!